أَحدهمَا: أَن إِبْرَاهِيم - عَلَيْهِ السَّلَام - قَالَ لِأَبِيهِ: لأَسْتَغْفِرَن لَك، قَالَ هَذَا رَجَاء أَن يَنْقُلهُ الله تَعَالَى من الْكفْر إِلَى الْإِسْلَام ببركة دُعَائِهِ واستغفاره.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن أَبَا إِبْرَاهِيم وعد إِبْرَاهِيم وَقَالَ: لأسلمن، فَاسْتَغْفر لي، فَاسْتَغْفر لَهُ إِبْرَاهِيم لهَذَا الْمَعْنى.
{فَلَمَّا تبين لَهُ أَنه عَدو لله} بِمَوْتِهِ على الْكفْر {تَبرأ مِنْهُ}
«فَإِن قَالَ قَائِل» : كَيفَ يجوز أَن يسْتَغْفر إِبْرَاهِيم للمشرك؟
الْجَواب عَنهُ: قَالَ بعض أهل الْمعَانِي: يحْتَمل أَن أَبَا إِبْرَاهِيم كَانَ أظهر الْإِسْلَام وَهُوَ يبطن الْكفْر، فَاسْتَغْفر لَهُ إِبْرَاهِيم لإظهاره الْإِسْلَام {فَلَمَّا تبين لَهُ أَنه عَدو لله} مصر على الْكفْر فِي الْبَاطِن {تَبرأ مِنْهُ} هَكَذَا قَالَه بعض أهل الْمعَانِي.
وَالَّذِي عَلَيْهِ عَامَّة الْمُفَسّرين مَا بَينا من قبل.
{لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ... (117) }
قَوْله تَعَالَى: {ثمَّ تَابَ عَلَيْهِم}
«فَإِن قَالَ قَائِل» : مَا هَذَا التّكْرَار، فقد قَالَ فِي أول الْآيَة: {لقد تَابَ الله على النَّبِي} ؟
الْجَواب عَنهُ: أَنه ذكر التَّوْبَة فِي أول الْآيَة قبل ذكر الذَّنب - وَهُوَ مَحْض تفضل من الله، فَلَمَّا ذكر الذَّنب أعَاد ذكر التَّوْبَة، وَالْمرَاد مِنْهُ: الْقبُول.
قوله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ}
«فَإِن قَالَ قَائِل» : كَيفَ يزِيد إِنْزَال السُّورَة لَهُم كفرا؟
الْجَواب: أَنهم كَانُوا يكفرون بِكُل سُورَة أنزلهَا الله تَعَالَى، فَلَمَّا كفرُوا عِنْد إِنْزَال السُّورَة نسب كفرهم إِلَيْهَا، وَهَذَا كَمَا تَقول الْعَرَب: كفى بالسلامة دَاء؛ لِأَن الدَّاء يكون عِنْد طول السَّلامَة، قَالَ الشَّاعِر:
(أرى بَصرِي قد رَابَنِي بعد صِحَة ... وحسبك دَاء أَن تصح وتسلما) انتهى انتهى {تفسير السمعاني} ...