وَقَدْ أَخْطَأَ عَدُوُّ اللَّهِ فَإِنَّ عُنْصُرَ الطِّينِ أَفْضَلُ مِنْ عُنْصُرِ النَّارِ مِنْ جِهَةِ رَزَانَتِهِ وسكونه وطول بقائه وهي خفيفة مُضْطَرِبَةٌ سَرِيعَةُ النَّفَادِ، وَمَعَ هَذَا فَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْجَنَّةِ دُونَهَا، وَهِيَ عَذَابٌ دُونَهُ، وَهِيَ مُحْتَاجَةٌ إِلَيْهِ لِتَتَحَيَّزَ فِيهِ، وَهُوَ مَسْجِدٌ وَطَهُورٌ، وَلَوْلَا سَبْقُ شَقَاوَتِهِ، وَصِدْقِ كَلِمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ لَكَانَ لَهُ بِالْمَلَائِكَةِ الْمُطِيعِينَ لِهَذَا الْأَمْرِ أُسْوَةٌ وَقُدْوَةٌ، فَعُنْصُرُهُمُ النُّورِيُّ أَشْرَفُ مِنْ عُنْصُرِهِ النَّارِيِّ.
(لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ ...(40)
وَخُصَّ الْجَمَلُ بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهِ يُضْرَبُ بِهِ الْمَثَلُ فِي كِبَرِ الذَّاتِ، وَخُصَّ سَمُّ الْخِيَاطِ، وَهُوَ ثُقْبُ الْإِبْرَةِ بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهِ غَايَةً فِي الضِّيقِ.
(إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ(56)
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَئِمَّةُ اللُّغَةِ وَالْإِعْرَابِ فِي وَجْهِ تَذْكِيرِ خَبَرِ (رَحْمَةَ اللَّهِ) حَيْثُ قَالَ (قَرِيبٌ) وَلَمْ يَقُلْ قَرِيبَةٌ.
فَقَالَ الزَّجَّاجُ: إِنَّ الرَّحْمَةَ مُؤَوَّلَةٌ بِالرَّحِمِ لِكَوْنِهَا بِمَعْنَى الْعَفْوِ وَالْغُفْرَانِ، وَرَجَّحَ هَذَا التَّأْوِيلَ النَّحَّاسُ. وَقَالَ النضر ابن شُمَيْلٍ: الرَّحْمَةُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى التَّرَحُّمِ، وَحَقُّ الْمَصْدَرِ التَّذْكِيرُ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ سَعِيدٌ: أَرَادَ بِالرَّحْمَةِ هُنَا الْمَطَرَ، وَتَذْكِيرُ بَعْضِ الْمُؤَنَّثِ جَائِزٌ، وَأَنْشَدَ:
فَلَا مُزْنَةَ وَدَقَتْ وَدْقَهَا ... وَلَا أَرْضَ أَبَقَلَ أَبْقَالُهَا