أما بعد، فأوصيكم عباد الله بتقوى الله العظيم، ولزوم طاعته، وأحذركم ونفسي من عصيانه تعالى، ومخالفة أمره؛ فهو القائل سبحانه وتعالى:"مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ" [فصلت: 46] .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبد الله ورسوله، اللهم صلِّ على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وأهل بيته، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أما بعد:
فيا أيها الأحبة الكرام، لا تنسوا محور السورة، ومقصود السورة؛ فهذا هو الذي نسعى إلى معرفته، نسأل الله أن يهدينا إليه هدايةً رشيدةً، وأن ينفعنا به، وعرفنا أن مقصود هذه السورة أن ننظر إلى تاريخ بني إسرائيل على أنهم عصاة لله؛ على أنهم هم المغضوب عليهم؛ هكذا باؤوا بغضب على غضب، كما حدثنا الله في سورة البقرة، هم الذين قالوا لنبي الله موسى عليه السلام:"سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا" [البقرة: 93] ، هم الذين قالوا له:"فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ" [المائدة: 24] .
أخي المسلم، هل ترضى لنفسك أن تكون من هؤلاء العصاة؟!
هل ترضى لنفسك أن تبوء - عافاك الله وإياي - بغضب من الله؟
هل يرضى عاقل لنفسه هذا؟
هذا مثال بين أيدينا، فلنحذر منه، ولنحذر من مثله ومن فعله، هل لو كان نبي الله عليه الصلاة والسلام بين أيدينا قائمًا يأمرنا وينهانا، يكلفنا ويدلنا ويهدينا؛ أكنا نقول له: سمعنا وأطعنا، أو سمعنا وعصينا؟!
تختم سورة البقرة في خواتيمها بهذا الموقف الجليل، حينما قال الله تعالى:"لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ" [البقرة: 284] ، معنى هذه الآية: أن الله تعالى يحاسبنا على خطرات القلب، وعلى خواطر النفس، وعلى الأشياء التي تخطر ببالنا دون أن نتكلم بها، أو نعزم نيةً عليها، أو نفعلها، مجرد أن يمر خاطر على قلبي من خير أو شر؛ الله يحاسبني عليه، نظهره ونبديه، أو نخفيه ونُكنه في صدورنا.