وسبحان الله تجد في واقع الناس إلى اليوم - رمز الغباء في بعض البلاد هو الحمار، فإذا أراد أحد أن يصف أحدًا بالغباء المحكم، وصفه بأنه حمار، وفي بعض البلاد يصفونه بالبقرة، ويعتبرون أن الحمار ذكي؛ لأنه يأخذ صاحبه من البيت إلى الغيط، وإن لم يَقُدْه صاحبه، ولو نام على ظهره، فبمجرد أن يخرج به من البيت يعرف الحمار طريقه إلى الغيط، وإذا خرج به من الغيط رجع به إلى البيت، ما شاء الله! حمار ذكي، ويفخر بذكاء الحمار، هكذا فعلًا الحمار إذا مشى في طريق مرةً، عرفه المرة الثانية، فيظنون أنه ذكي، ولكن الأغبى منه البقرة؛ فيشبهون الغبي بالبقرة، والمثلان جمعهما الله تعالى على بني إسرائيل، ويدخلون بذلك في قول الله تعالى:"إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا" [الفرقان: 44] .
هذا هو اسم السورة ومناسبته لموضوع السورة، وإشارته إلى ما في السورة من مقصود للرحمن سبحانه وتعالى، هذه السورة باعتبارها تتكلم عن بني إسرائيل، وفيها حديث عن الجهاد، وفيها حديث عن القصاص، وإقامة الحدود، وهذا يحتاج إلى دولة، وفيها حديث عن الحج، وعن الصيام، وتحريم الربا، وكان تحريمه مؤخرًا في حَجة الوداع، وفيها حديث عن المنافقين وهكذا، وأحكام وآداب، هذا يدل دلالةً واضحةً على أن هذه السورة نزلت في العهد المدني؛ يعني: بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، بل أصرح من ذلك، وآكد من ذلك قول أُمنا عائشة رضي الله عنها فيما صح عنها من الحديث: «وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده» [7] ؛ يعني: وأنا زوجة عنده.
ومعلوم تاريخيًّا وفي السيرة أن عائشة لم تكن زوجةً إلا بعد الهجرة، وإن خُطبت قبلها، لكن تم التزويج بعد الهجرة إلى المدينة، هاجرت وهي عروس، وهناك في المدينة المباركة تزوَّجها النبي صلى الله عليه وسلم [8] .