السماء والأرض، يراها الناس فيها الملائكة.
قال ابن رجب: وفي هذا السياق دلالة على فضيلة الصوت الحسن
بالقرآن.
ولأبي عبيد - أيضاً - عن جرير بن يزيد: أن أشياخ أهل المدينة
حدثوه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قيل له: ألم تر ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه لم تزل دارُه البارحة تزهو مصابيح؟.
قال: فلعله قرأ سورة البقرة، فسئل ثابت فقال: قرأت سورة البقرة.
ولعل خصوصية البقرة بذلك، من أجل قوله تعالى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ) .
فإن ظهور مجد الله سبحانه بني إسرائيل على الطور، كان فِي ظلل الغمام والنار، ولذلك تليت الآية بقوله تعالى: (سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ) .
ولأبي عبيد فِي الغريب والفضائل، عن عبد الله بن مسعود رضي اللّه
عنه أنه قال: جَردوا القرآن، ليَرْبُوَ فيه صغيركم، ولا ينأى عنه كبيركم، فإن الشيطان يخرج من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة.
وفي رواية الفضائل: يفر من البيت الذي يسمع فيه سورة البقرة.
ثم ذكر أبو عبيد اختلاف الناس فِي معناه، فقيل: جرّدوه من النقط
والفواتح والتعشير ونحوه. ولا تخلطوا به غيره.
وروى: أن رجلا قرأ عند ابن مسعود رضي الله عنه فقال: أستعيذ
بالله من الشيطان الرجيم. فقال عبد الله: جَرِّدُوا القرآن.
وقيل: بل المعنى: أن يتعلم وحده، وتُتْرَكَ الأحاديث.
ثم رد أبو عبيد هذا، بأن فيه إبطالَ السنن، وبأن عمر بن الخطاب
رضي الله عنه حين وجه الناس إلى العراق قال: جردوا القرآن، وأقِلُّوا
الرواية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأنا شريككم.
ففي قوله:"أقلوا الرواية"ما يبين أنه لم يرد بتجريد القرآن ترك
الرواية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وإنما أراد - عندنا - علمُ أهلِ الكتاب.