قِيلَ لَهُ: إذَا كَانَ ذَلِكَ الْبَعْضُ مَجْهُولًا صَارَ مُجْمَلًا وَلَمْ يُخْرِجْهُ مَا ذَكَرْت مِنْ حُكْمِ الْإِجْمَالِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ قَوْله تَعَالَى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} وَقَوْلُهُ: {وَآتُوا الزَّكَاةَ} وَقَوْلُهُ: {يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} كُلَّهَا مُجْمَلَةٌ لِجَهَالَةِ مَقَادِيرِهَا فِي حَالِ وُرُودِهَا ، وَأَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ لِأَحَدٍ اعْتِبَارَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ مِنْهَا ؟ فَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {بِرُءُوسِكُمْ} وَإِنْ اقْتَضَى الْبَعْضُ فَإِنَّ ذَلِكَ الْبَعْضَ لَمَّا كَانَ مَجْهُولًا عِنْدَنَا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُجْمَلًا مَوْقُوفَ الْحُكْمِ عَلَى الْبَيَانِ.
فَمَا وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ فِعْلٍ فِيهِ فَهُوَ بَيَانُ مُرَادِ اللَّهِ بِهِ.
وَدَلِيلٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ سَائِرَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ لَمَّا كَانَ الْمَفْرُوضُ مِنْهَا مُقَدَّرًا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ حُكْمُ مَسْحِ الرَّأْسِ لِأَنَّهُ مِنْ أَعْضَاءِ
الْوُضُوءِ ؛ وَهَذَا يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ جَمِيعًا ؛ لِأَنَّ مَالِكًا يُوجِبُ مَسْحَ الْأَكْثَرِ وَيُجِيزُ تَرْكَ الْقَلِيلِ مِنْهُ فَيَحْصُلُ الْمَفْرُوضُ مَجْهُولَ الْمِقْدَارِ ، وَالشَّافِعِيُّ يَقُولُ: (كُلُّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَسْحِ جَازَ) وَذَلِكَ مَجْهُولُ الْقَدْرِ ، وَمَا قُلْنَا مِنْ مِقْدَارِ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ فَهُوَ مَعْلُومٌ ؛ وَكَذَلِكَ الرُّبُعُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَهُوَ مُوَافِقٌ لِحُكْمِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ مِنْ كَوْنِ الْمَفْرُوضِ مِنْهَا مَعْلُومَ الْقَدْرِ.