وكان سبب ذكر هذه الأشياء أن العرب الجاهلية كانت تضرب الشاة بالعصا حتى تموت وتأكلها ، وكانت تأكل ما لحقت من الشاة وغيرها في فم الأسد ، وكانت تخنق الشاة بالحبل حتى تموت وتأكلها ، وكانت تأكل جميع ما ذكر الله تحريمهُ ، فأنبأنا الله بتحريمه ، وهذه حجة من أجاز أكل جميع ذلك إذا ذكى وفيه حياة على أي: حال كان .
قوله {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} اختلف العلماء في هذا الاستثناء: فأكثرهم على أنه مستثنى ذكر تحريمه ، كأنه حرم علينا جميع ما ذكره إلا ما أدركنا ذكاته وفيه شيء من روح . وأكثر الفقهاء على أن ما أدرك من جميعه فذكيّ وتحركت رجله أو طرف بعينه أو علم أنه بقيت (فيه) حياة ، فإنه يؤكل.
ومنهم من يرى أن هذا الاستثناء إنما هو من التحريم ، لاَ مِنَ المحرمات المذكورة ، كأن تقديره: إلا ما أحله الله لكم بالتذكية ، وهو مذهب أهل المدينة ، فيكون المعنى: إلا ما ذكيتم مما ذكر مما تُرجى له الحياة لو ترك ، لا ما ذكيتم مما لا ترجى (له) الحياة لو ترك ، فكل ما أصيب من ذلك في مقتل ، فلا تنفع فيه الذكاة وإن أدرك
وفيه حياة ، هذا مذهب مالك وأهل المدينة.
ويدل على صحة هذا القول أن هذه الأشياء المذكورات بالتحريم لو كانت لا تحرم إلا بالموت قبل الذكاة ، لكان قوله {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة} يغني عن ذكر ما بعده ، ولا يكون لِذكرِ ما بعد الميتة فائدة.
وقد قال المخالف: الفائدة في ذكر ما بعد الميتة وهو من الميتة ما تقدم ذكره من أن (أهل) الجاهلية كانت تخنق الشاة حتى تموت وتأكلها وتضرب الشاة حتى تموت وتأكلها ، فأعيد ذكرها بعد الميتة لهذا السبب .
وقد سئل مالك عن الشاة يخرّق بطنها وتدرك (و) فيها حياة ، قال: لا أرى أن تذكى ولا تؤكل ، وكذلك مذهبه في كل ما تيقن أنه لا يعيش مما نزل به: أنه لا يذكى ولا يؤكل إن ذكي وفيه بعض حياة.