ولا يقال هنا إن الموصوفين بالدين الحق محكوم عليهم بالشر ، لأن الكلام خرج على حسب اعتقادهم لأنهم قبحهم اللّه حكموا بأن دين الإسلام بسبب اعتقاده بنبوة غيره ، عيسى عليه السلام الذي هو من أولي العزم شر ، ولم يعلموا أن عدم الإيمان به يستوجب عدم الإيمان بغيره من الأنبياء ، لأن اليهود أيضا ينكرون نبوة غيره ، كما أن النصارى كذلك ، وكلّ ذلك كفر وشر ، وهذا أشر بكثير من كلّ شر فيقال لهم إذا سلمنا جدلا أن الأمر كما تقولون فإن الأشربة كلها متمحضة بمن لعنه اللّه وغضب عليه إلخ ، فهؤلاء هم أشر مما تقولون على زعمكم الباطل لو فرض صحته فكيف وهو كذب وافتراء.
ثم التفت إلى فضح حال المنافقين الموالين لليهود الأشرار فقال عز قوله"وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا"عليكم حين مجيئهم متقمصين"بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا"متلبسين"بِهِ"أيضا كما دخلوا لم يعلق بقلوبهم شيء من الإيمان"وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ" (61) منه وما يظهرون.
مطلب في مثالب اليهود والتفرقة في الدّين وما ينشا عنها وأن تبليغ الرّسول مقصور على القرآن وأمره بترك حراسته:
"وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ"يا حبيبي"يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ"من الكذب والظّلم والتهور والحيف وسائر أنواع الإثم واصناف العداء"وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ"الرشوة في الأحكام وكلّ ما لا يحلّ تناوله يسارعون إليه واللّه انهم"لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ" (62) من الجنايات والرّذائل"لَوْ لا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ"أي هلا نهوهم عن ذلك وهو واجب عليهم منعهم عن تناوله وتعاطيه ولكنهم لم يفعلوا أيضا واللّه انهم"لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ" (63) بسبب سكوتهم عن الحق وكتمهم إياه وإقرارهم البطل وعدم نهيهم عما نهى اللّه عنه بكتابهم.