ولا تكرار في هذه الآية أيضا ، لأن الأولى عدد 44 المارة كانت في مسألة الزنى ، وهذه في قضايا القصاص والجروح إذ راجع رؤساؤهم حضرة الرّسول وقالوا يا محمد قد عرفت بأنا سادات قومنا وأشرافهم وإنا إن اتبعناك اتبعك كلّ اليهود وان بيننا وبين النّاس خصومات نريد أن نتحاكم إليك فيها ، فإذا قضيت لنا عليهم آمنا بك وصدقناك ، لأن قتلانا أفضل من قتلاهم ، ولسنا سواء بالجروحات أيضا لأنها كانت بيننا على التضعيف ، وذلك أنه كان بنو النّضير إذا قتلوا رجلا من قريظة أعطوهم ديته سبعين وسقا من التمر ، وإن قتل بنو قريظة رجلا من النّضير أعطوهم مئة وأربعين ، وكذلك الجراحات ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم إن القرض بالنضيري وفاء ، لا فضل لأحدكم على الآخر فنهضوا وقالوا لا نرضى بحكمك ، فنزلت هذه الآية قطعا لأطماعهم من أن يراجعوه في مثلها على سبيل المنع ليعلموا أن ما أوصى اللّه إليه من الحدود واجبة التطبيق على الشّريف والوضيع ، وإنه لا يزيغ عنه قيد شعرة ، وإنه يقيمه على كلّ أحد على السّواء على حدّ كلكم من آدم وآدم من التراب.
وانظر إلى قوله صلّى اللّه عليه وسلم لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها ، راجع الآية 38 المارة.
قال تعالى ردّا عليهم وتقريعا بهم وتوبيخا لهم"أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ"منك يا سيد الرّسل وهو ظلم وجور وحيف ويعرضون عن حكم اللّه المسوي بين الكبير والصّغير القاضي بالإنصاف والانتصاف"وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ" (50) أن لهم ربا عدلا ، ودينا قيما ، وحكما حقا ، كلا لا أحسن ولا أقوم ولا أصدق ولا أقسط من حكم اللّه ، كيف وهو الآمر
بالقسط ، فأعرض يا سيد الرّسل عن أمثال هؤلاء ولا تقبل مطالبهم الواهية ، ولا تصغ لأقوالهم المزيقة ، وأنت لست بحاجة إلى إسلامهم وولايتهم ، فأنا كافيك عنهم وعن كلّ من لا يوقن بك ، ولا يستسلم لحكمك.