أن الرب تعالي مصلح عباده بما كلفهم من طاعته، فإذا فرضنا الكلام عليكم فيمن علم اللّه تعالي أنه لو اخترمه ولم يكمل عقله لنجا من العذاب. ولو أكمل عقله وأقدره
لكفر وطغي، فمن هذه حاله، فصلاحه علي الضرورة في أن يخترم. ومن أبدي في ذلك مراء سقطت مكالمته ودحضت حجته. وكل كلام في اقتضاء تكليف فهو مقيد بقصد الإصلاح.
ولا مزيد في التناقض علي أن يقول القائل: آمرك وقصدي بأمرك إصلاحك، مع علمي بأنك لا تصلح، ولو لم آمرك لنجوت من موبقات العواقب ومرديات العواطب. فهذا، وقيتم البدع، غاية في التناقض لا يخفي مدركها علي عاقل.
ومما يعارضون به، أن أوامر الشرع وزواجره قد تتعلق بالأحوال المعللة بعللها، وذلك مثل تقدير الشرع بأمر مكلف بكونه قائما عالما، ولا سبيل إلي جحد ذلك من موارد الشرع وموجبات السمع. ثم كون العالم عالما، وإن حسن تقدير الطلب فيه، فليس هو واقعا بالمطالب به علي أصول المخالفين، فإنه لا يقع بالقدرة إلا حدوث ذات. والأحوال توجبها العلل، وتثبت واجبة تابعة للحدوث؛ فإذا لم يبعد تقدير الطلب بما لا يقع بالمطالب، لم يبعد ما ألزمونا. @