والغرض المعنىّ من هذا الفصل، هو إقامة الدليل على تقدس الرب تبارك وتعالى عن الحاجة إلى محل. والدليل عليه أنه لو حل محلاّ، وافتقر وجوده إليه، لكان المحل قديمًا، ولكان هو صفة له، إذ كل محل موصوف بما قام به، والصفة يستحيل أن تتصف بالأحكام التي توجبها المعاني. وسنبين وجوب اتصاف الباري بكونه حيًا عالمًا قادرًا.
فصل
[من صفات الله المخالفة للحوادث]
منصفات نفس القديم تعالى مخالفته للحوادث، فالرب تعالى لا يشبه شيئًا من الحوادث، ولا يشبهه شيء منها.
ولابد في صدر هذا الفصل من التنبيه على حقيقة المثلين والخلافين. فالمثلان كل موجودين سدّ أحدهما مسدّ الآخر، وربما قيل في حدهما: هما الموجودان اللذان يستويان فيما يبب ويجوز ويستحيل، والأولى العبارة الأولى. والمختلفان كل موجودين ثبت لأحدهما من صفات النفس ما لم يثبت للثاني.
وذهب ابن الجبائي [1] ومتأخرو المعتزلة إلى أن المثلين هما الشيئان@
(1) ) هو عبد السلام بن محمد أبو هاشم ابن الجبائي، وأتباعه يسمون البهشمية. توفى عام 321 هـ. ويذكر صاحب التبصير ص 53 أن أكثر المعتزلة اليوم على مذهبه؛ لأن الصاحب إسماعيل بن عباد وزير آل بويه كان يدعو إلى مذهبه. ويسمى أصحابه أيضًا بالذمية، لتجوز كون العبد مستحقا للذم والعقاب على مالم يفعل.