بوحدة الوجود. ولكن بالنسبة لديريدا أدت التطورات في الفكر الغربي حتما إلى عملية التهميش. تقليديا كانت هناك دائما عمليات تمركز أو تمحور: الوجود، والنفس، والجوهر، والله، إلخ. وهذه الحاجة الإنسانية سماها ديريدا مركزية المعنى. وهذا مستمد من استخدام العهد الجديد لمصطلح علامة (التي تعني في اليونانية كلمة) للتعبير عن اعتقاد المسيحية بأن السبب الرئيس لجميع الأمور هو كلمة الله:"في البداية كانت الكلمة". ومن ثم، في مركزية المعنى تكون الكلمة المنطوقة أقرب إلى الفكر من الكلمة المكتوبة. يسمي ديريدا ذلك مركزية الصوت التي تفترض دائما وجود النفس. عندما نسمع الكلام، فإننا نفترض وجود المتحدث. ولانفعل الشيء نفسه في الوجود الكتابي عندما نقرأ الكتابة. وبهذه الطريقة، تتيح الكتابة لنفسها مجالا للتفسير، وإعادة التفسير؛ لأننا نستطيع أن نعيد القراءة والتحليل بسهولة أكبر." [1] "
وهكذا، يتبادر إلى أذهاننا أن التفكيكية، باعتبارها مقاربة فلسفية تقويضية، تتعارض مع الكتب المقدسة جميعها، تلك الكتب التي أعطت أهمية كبرى للدال الصوتي بيانا وفصاحة وبلاغة، تلك الكتب التي تؤمن بالنظام الرباني المنسجم، وتؤكد تناسق هذا الكون بإرجاعه إلى عظمة الله وقدرته الخارقة. والهدف من خلق الإنسان، واستخلافه في الأرض، هو تعمير الكون، والجمع بين العبادة والعمل. ومن ثم، فالبناء هو الأساس في سنة الحياة، أما التقويض فهو النشاز والشذوذ والغرابة.
وأخيرا، يتبين لنا - من هذا كله - أن التفكيكية رؤية فلسفية جديدة إلى الإنسان والمعرفة والوجود والعالم والقيم، وهي أيضا منهجية تشريحية في القراءة، والتأويل، وتحليل الخطاب الأدبي. وما يهمنا في هذه المنهجية أنها تنبني على تبيان
(1) - ديفيد كارتر: نفسه، ص:118.