فلسفة ديريدا التفكيكية بشكل مطلق كل التعارضات والثنائيات الزوجية: الروح والجسد، والعقل والمادة، والحياة والموت ... في حين، ينبني القرآن الكريم على مجموعة من الثنائيات المتقابلة، كالليل والنهار، والحياة والموت، والمذكر والمؤنث، والعلم والجهل، والسعادة والشقاء، والجنة والجحيم ...
أضف إلى ذلك أن فلسفة ديريدا هي فلسفة التقويض، والفوضى، والهدم، وإشاعة السلبية، وإثارة نزعات الصراع والاختلاف. ومن ثم، فالقرآن الكريم بعيد كل البعد عن هذا، فهو كتاب ديني مقدس، يهدف إلى ترقية الإنسان ماديا وروحيا، والسمو به بشريا وأخلاقيا ونفسيا، وهدايته إلى السبيل الصحيح للفوز بالدنيا والآخرة. أي: إنه كتاب عقدي إيجابي في خدمة الإنسان، والحفاظ على الفرد والجماعة، ضمن نظام مجتمعي ثابت قوامه الاحتكام إلى الشريعة الربانية. وبالتالي، فالقرآن ضد الاختلاف من أجل الاختلاف، أو إثارة الفتنة والغواية والشقاق بين طبقات المجتمع.
علاوة على ذلك، لايقبل القرآن الفلسفة السلبية القائمة على العدمية، والنسبية المطلقة، والرفض لماهو ثابت ويقيني.
وما يمكن قوله عن القرآن، يمكن قوله عن الكتب المقدسة الأخرى كالتوراة والإنجيل، فحينما تحارب التفكيكية المنطوق الصوتي، والوحدة والانسجام والنظام والثبات والمركز، فهي في الحقيقة تحارب عقيدة التوحيد، ولا تعلم أن هذا الكون المنظم له رب خبير عليم. وفي هذا الصدد، يقول ديفيد كارتر (David Carter) :"ظهرت البوادر الأولى لهذه الثورة التفكيكية في مقالة قدمها ديريدا في جامعة جونز هوبكنز في أمريكا في عام 1966 م بعنوان (البنية والعلامة واللهو في خطاب العلوم الإنسانية) . وللتعبير عما كان ثوريا فيها باختصار، فقد برهن ديريدا بأنه حتى البنيوية تفترض وجود مركز للمعنى من نوع ما، كما يفترض الأفراد مركزية ضمير"أنا"في وعيهم، ويضمن هذا المركز الشعور"