وهذا المضمر هو الذي يسمى بالنسق الثقافي. وغالبا، ما يتخفى النسق الثقافي وراء النسق الجمالي والأدبي. ومن ثم، فاستخلاص الأنساق الثقافية المضمرة ذات قابلية جماهيرية شعبية، على عكس الأنساق النخبوية التي لاتلقى شعبية عامة على مستوى الاستقبال والاتصال. بمعنى أن النقد الثقافي في خدمة القيم الإنسانية وخدمة الإنسان كيفما كان مستواه الاجتماعي والطبقي والعرقي والإثني"إن قيما مثل: قيم الحرية، والاعتراف بالآخر، وتقدير المهمش والمؤنث، والعدالة، والإنسانية، هي كلها قيم عليا تقول بها. أي: ثقافة، ولكن تحقيقها عمليا ومسلكيا هو القضية. ولو حدث وكشفنا أن الخطاب الأدبي الجمالي، الشعري وغيره، يقدم في مضمره أنساقا تنسخ هذه القيم وتنقض ماهو في وعي أفراد. أي: ثقافة، فهذا معناه أن في الثقافة عللا نسقية لم تكتشف، ولم تفضح، ويكون الخطاب متضمنا لها، دون وعي من منتجي الخطاب ولا من مستهلكيه." [1]
ويعني هذا أن المقاربة الثقافية لايهمها في النص تلك الأبنية الجمالية والفنية والمضامين المباشرة، بل ما يعنيها هو استكشاف الأنساق الثقافية المضمرة.
يمكن الحديث في إطار المقاربة الثقافية - بشكل من الأشكال- عن مؤلف مزدوج، الكاتب الجمالي والأدبي الذي ينتج أنساقا أدبية وجمالية فنية ظاهرة ومباشرة أو غير مباشرة عن طريق الرمزية والإيحائية، وهناك في المقابل المبدع الثقافي الذي يتمثل في الثقافة نفسها التي تتوارى وراء الظاهر في شكل أنساق مضمرة غير واعية"يأتي مفهوم المؤلف المزدوج بعد هذه المنظومة الاصطلاحية لتأكيد أن هناك مؤلفا آخر بإزاء المؤلف المعهود، وذلك هو أن الثقافة ذاتها تعمل"
(1) - عبد الله محمد الغذامي وعبد النبي اصطيف: نفسه، ص:33.