وبهذا، يطعن ديريدا في الميتافيزيقا الغربية المبنية على المنطق، واللغة، والحضور، والتمركز العقلاني الذي يشكل معيار الحقيقة والبداهة واليقين ... وهكذا، فقد وظف ديريدا"قدرته الحوارية العالية، مستعينا بمقولة التمركز العقلي للعمل على إنشاء هيكل نظريته الشاملة، بمواجهة التراكم الهائل للميتافيزيقا الغربية، فبعد أن أفلح بتجزئة الألفاظ والفرضيات الأساسية، ثم تطوير الأبنية التناقضية والحجج التناقضية التي تنطوي عليها هذه الألفاظ والفرضيات، انتقل إلى صلب موضوعه، ألا وهو تفكيك النظم العامة للفكر الغربي، بدءا من أفلاطون، فأرسطو، وروسو، وديكارت، وفرويد، وصولا إلى معاصريه من الفينومينولوجيين، هؤلاء الذين نشأ معهم على إفرازات تلك النظم الفكرية من أمثال: هيدجر وهوسرل. لقد قاده الاستقراء والوصف التفكيكي إلى نسف الزعم بوجود معنى موحد له هوية أو تطابق ذاتي؛ لأن عمله الذي نهض على التعارض وكشف الأبنية المتناقضة تبين، له وجود تعارض صميمي في هيكل تلك النظم، وهو ما أمده بوسائل متطورة لتفكيك تلك النظم من الداخل بوساطة إعادة قراءتها من جديد." [1]
يرفض جاك ديريدا التمركز العقلي، ويمقت كل انطواء على تسييد العرق أو الجذر، أو التبجح بالخصوصية المركزية، أوالإيمان بهيمنة عنصر على آخر. ومن ثم، يرفض ديريدا أسطورة الأصل، كأن ندافع - مثلا - عن الرجل الأبيض ضد الرجل الأسود، أو نرجح كفة العرق الغربي أو العرق الآري على حساب الأعراق الأخرى كما فعل المستشرق رينان، أو نتعصب لقومية جنسية مَا كما فعل مارتن هايدجر، حينما تعصب للقومية الألمانية الجرمانية. فعن طريق التفكيك
(1) -عبد الله إبراهيم: نفسه، ص:65 - 66.