فهرس الكتاب

الصفحة 211 من 528

بالفعل، فإن الأبطال الرئيسيين عند دويستفسكي داخل وعي الفنان ليسوا مجرد موضوعات لكلمات الفنان، بل إن لهم كلماتهم الشخصية ذات القيمة الدلالية الكاملة. ولهذا السبب، فإن الكلمة التي ينطق بها البطل لاتستنفد هنا أبدا بواسطة الأوصاف الاعتيادية والوظائف ذات الدوافع العملية والحياتية، إلا أنها لاتعتبر في الوقت نفسه تعبيرا عن الموقف الإيديولوجي الخاص بالمؤلف (مثلما هو الحال عند بايرون) .إن وعي البطل يقدم هنا بوصفه وعيا غيريا، وعيا آخر، إلا أنه في الوقت نفسه غير محدد، ولايجري التستر عليه، كذلك فإنه لايصبح مجرد موضوع بسيط لوعي المؤلف. وبهذا المعنى، فالبطل عند دويستفسكي لايعتبر صورة موضوعية اعتيادية للبطل في الرواية التقليدية." [1] "

ويعني هذا أن كل شخصية في الرواية البوليفونية لها حرية كاملة ومطلقة في امتلاك وعي مستقل، يعبر عن كينونتها وهويتها وطريقة تفكيرها، ومنفصلة عن طريقة تفكير الكاتب. وهذا مايقرب الرواية البوليفونية من الرواية الأطروحة ذات الطبيعة الديمقراطية القائمة على الحوارية الذهنية والتعددية الإيديولوجية.

المطلب الرابع: التعددية في المواقف الإيديولوجية

تستند الرواية البوليفونية إلى تعدد الشخصيات التي تتمتع بنوع من الاستقلالية النسبية في التعبير عن أفكارها، والإفصاح عن مشاعرها الوجدانية، كما تدافع هذه الشخصيات عن معتقداتها الشخصية بكل حرية، فتعرض أطروحتها الإيديولوجية التي قد تكون مخالفة لإيديولوجية الكاتب، ومتعارضة معها بشكل كلي. وتعد روايات دويستفسكي نماذج تمثيلية لهذا النوع، حيث يرى ميخائيل باختين بأنه"من الناحية الإيديولوجية، يتمتع البطل باستقلاليته ونفوذه المعنوي."

(1) - ميخائيل باختين: نفسه، ص:10 - 11.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت