كان فرديناند دوسوسير قد أعطى الأهمية الكبرى للصوت أوالفونيم باعتباره يمثل المنطق والعقل على حد سواء، فإن جاك ديريدا قد أعطى أهمية كبرى للكتابة باعتبارها تعني التعدد والتشتت والاختلاف. ويخلص ديريدا إلى أن"أحد أكثر السبل تأثيرا التي نهض عليها التمركز العقلي في الفلسفة الأوروبية، هو اهتمامها بالكلام على حساب الكتابة. فالتمركز المنطقي هو في حقيقة الأمر تمركز صوتي، ويرجع جذر هذا الاهتمام إلى أفلاطون الذي عبر عن الحقيقة قائلا:"إنهاحوار الروح الصامت مع النفس"."
وهذا التأكيد هو إحدى الدعائم الأساسية لحضور المتكلم مع نفسه. فالحقيقة، حسب أفلاطون، ماهي إلا المباشرة الصريحة للنفس، كما يتمثل حضور التمركز الصوتي في الحوار بين متحدثين يجمعهما زمان واحد، ومكان واحد، وما سوف يرشح عن حديثهما من معنى أو مقصد حول ماقالاه بالضبط، أو ماقصداه يقولهما على وجه الدقة." [1] "
يعمل جاك ديريدا على تقويض مفهوم الكلية والانسجام في الحقل الثقافي، ولاسيما في مجال تحليل النصوص الأدبية والفلسفية. وفي هذا النطاق، يقول ديريدا:"أنا لاأتعامل والنص. أي نص، كمجموع متجانس. ليس هناك من نص متجانس. هناك في كل نص، حتى في النصوص الميتافيزيقية الأكثر تقليدية، قوى عمل هي في الوقت نفسه قوى تفكيك للنص. هناك دائما إمكانية لأن تجد في النص المدروس نفسه ما يساعد على استنطاقه، وجعله يتفكك بنفسه." [2]
(1) - عبد الله إبراهيم: نفسه، ص:63.
(2) - جاك ديريدا: نفسه، ص:49.