وهكذا، يرى ميخائيل باختين"أن الفضاء الروائي يكتسي من خلال تداخل مكوناته- في أحيان كثيرة- طابعا رمزيا، فهناك الفضاء الخارجي، والفضاء الداخلي، وهناك الفضاء المغلق والفضاء المنفتح، والفضاء الحميمي والفضاء المعادي، بل إن باختين بعد دراسته القيمة لإنتاج دويستفسكي، لاحظ أنه استعمل في رواياته فضاء رمزيا خاصا، بعيدا عن الصالونات، وحجرات الأكل، وقاعات الاحتفالات، وغرف النوم. هذا الفضاء الخاص الذي وظفه دويستفسكي في إنتاجه الروائي، سماه باختين: الفضاء العتبة le) seuil)، وهو فضاء يتمثل في المداخل والممرات والأبواب والنوافذ المشرعة على الشوارع، كما أنه فضاء يتمثل في الحانات والأكواخ والقناطر والخنادق والبواخر والسيارات والقطارات. وبعبارة أوضح: إن فضاء العتبة- كما يرى باختين- يمثل المواقف، والأفكار، والأشخاص الذين يعيشون بين/بين، كما أن الزمن الموجود في العتبة هو زمن أزمة (Temps des crises) ؛ لأنه مشحون بالتوتر والقلق والاضطراب وطرح الأسئلة المصيرية." [1]
ومن هنا، يتأرجح فضاء العتبة بين الداخل والخارج، وبين المغلق والمنفتح. ومن ثم، يجسد تمزق الشخصية غير المنجزة، وتآكلها داخل فضاءات الأزمات الخانقة الوسيطة.
يمكن الحديث عن فضاء آخر توظفه الرواية المتعددة الأصوات (الرواية البوليفونية) ، أو ما يسمة أيضا بالرواية الحوارية (الديالوجية) ، كما يتضح ذلك
(1) - محمد منيب البوريمي: الفضاء الروائي في الغربة: الإطار والدلالة، ص:22 - 23.