قريب والآخر بعيد، والمقصود هو البعيد، وكشفه هو لعبة بلاغية منضبطة، ونحن هنا نوسع من مجال التورية لالتكون بهذا المعنى البلاغي المحدد، ولكننا نقول بالتورية الثقافية. أي: إن الخطاب يحمل نسقين، لامعنيين، وأحد هذين النسقين واع والآخر مضمر. [1] ""
وهكذا، يوسع الغذامي البلاغة العربية القديمة ليتخذ من التورية مفهوما إجرائيا جديدا، بغية تطبيقه على النصوص في ضوء المقاربة الثقافية.
يعتمد النقد الثقافي على مصطلح النسق المضمر، وهو نسق مركزي في إطار المقاربة الثقافية، على أساس أن كل ثقافة معينة تحمل في طياتها أنساقا مهيمنة، فالنسق الجمالي والبلاغي في الأدب يخفي أنساقا ثقافية مضمرة. وبتعبير آخر، ليس في الأدب سوى الوظيفة الأدبية والشعرية، فهناك كذلك الوظيفة النسقية التي يعتني بها النقد الثقافي. وفي هذا الصدد، يقول عبد الله الغذامي:"نزعم في عرضنا لمشروع النقد الثقافي، أن في الخطاب الأدبي، والشعري تحديدا، قيما نسقية مضمرة، تتسبب في التأسيس لنسق ثقافي مهيمن ظلت الثقافة العربية تعاني منه على مدى مازال قائما، ظل هذا النسق غير منقود ولا مكشوف بسبب توسله بالجمالي الأدبي، وبسبب عمى النقد الأدبي عن كشفه، مذ انشغل النقد الأدبي بالجمالي وشروطه، أو عيوب الجمالي، ولم ينشغل بالأنساق المضمرة، كنسق الشعرنة." [2]
ويعني هذا أن النقد الثقافي يكشف أنساقا متناقضة ومتصارعة، فيتضح أن هناك نسقا ظاهرا يقول شيئا، ونسقا مضمرا غير واع وغير معلن يقول شيئا آخر.
(1) - عبد الله الغذامي وعبد النبي اصطيف: نفسه، ص:29.
(2) - عبد الله محمد الغذامي وعبد النبي اصطيف: نفسه، ص:31.