قال بعض العلماء: سبب الدعاء عليه أو إلغاء صومه أنه يصوم جميع الأيام بما فيها المنهي عن صومها، كالأعياد، وأيام التشريق، بدون حاجة، فهذا متعد ومخطئ، فلا صيام له، وبعضهم يقول: سبب الدعاء أن الذي يواصل الصوم يضعف أمام الواجبات الأخرى وهي أولى من نوافل الصوم، كما جاء عنه صلى الله عليه وسلم في رده على النفر الثلاثة الذين قال قائل منهم: أما أنا فسأصوم ولا أفطر، فخطب الناس وقال: (أما أنا فإني أصوم وأفطر،) ، وقال ردًا على الثاني: (أقوم الليل وأنام) ، وردًا على الثالث: (وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) ، وقال للرجل الذي جاءه وسلم عليه فلم يعرفه فقال: (ألم تعرفني؟ أنا الذي جئتك العام الماضي، فقال له: وما لي أرى جسمك نحيلًا) ، أي: أنت كنت شبابًا ونشيطًا، فلماذا نحلت؟ (قال: منذ فارقتك العام لم أطعم طعامًا نهارًا قط، قال: وما الذي حملك على تعذيب نفسك) ، أي: أن الله غني عن هذا، والذي نحل جسمه كهذا لا يستطيع أن يقاتل عدوًا، ولا يزرع أرضًا، ولا يؤدي صناعة، ولا يؤدي حقوق الزوجة، ولا حقوق الأبوين، ولا حقوق الأولاد، ولا حقوق الجيران، وسلمان الفارسي لما جاء إلى أخيه في الإسلام أبي الدرداء وجد زوجة أبي الدرداء في لباس عادي، فقال: ما هذا يا أم الدرداء! أليس لك زوج؟ قالت: يا سلمان! أخوك أبو الدرداء لم يعد له حاجة في النساء، فنهاره صائم وليله قائم، فجلس حتى جاء أبو الدرداء فبات عنده، فلما تعشوا وناموا، قام أبو الدرداء يصلي فأمسكه سلمان وقال له: نم، فلما كان نصف الليل قام فقال له: نم، فلما كان قبيل الفجر قال له: قم الآن، فقاما فصليا جميعًا، ولما أصبحوا جاء بالفطار فقال له: كل، قال: أنا صائم، فغمس يده في الأكل وقال له: كل، فأكل، ثم قال له سلمان: إن لجسمك عليك حقًا، ولعينك عليك حقًا، ولزوجك عليك حقًا، ولزورك -أي: الزائر- عليك حقًا، فأعطِ كل ذي حق حقه، فذهب أبو الدرداء واشتكى إلى رسول الله، وطبعًا هذه هي الجهة العليا للشكوى، فقال صلى الله عليه وسلم: (صدق سلمان يا أبا الدرداء! إن لنفسك عليك حقًا، ولزوجك عليك حقًا، ولزورك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه) ، ومثل هذا جاء في قصة كعب بن سور، مع عمر في المرأة التي جاءت تشتكي إلى عمر، فقالت: يا أمير المؤمنين! زوجي ليله قائم، ونهاره صائم، فقال لها عمر: جزاك الله خيرًا، مثلك من يثني بالخير، فالمرأة استحت وقامت لتذهب، وكان عنده رجل اسمه كعب بن سور فقال: يا أمير المؤمنين! المرأة جاءت لتشتكي، لا لتمدح، جاءت تشتكي زوجها، فدعاه وقال: هذا الرجل يقول: إنك جئت تشتكي، فقالت: إي والله! يا أمير المؤمنين! جئت اشتكي، أنا امرأة شابة، وهذا رجل يقوم الليل ويصوم النهار وليس له حاجة عندي، فاستدعى الزوج وقال لـ كعب: اقضِ بينهما، فقال: اقض بينهما أنت، فأنت الأمير وأنت القاضي، قال: ما دمت أنك فهمت قضيتهما فأنت تحكم بينهما، وهذا أساس قضائي، لا يمكن لأي قاضٍ في الدنيا أن يحكم حكمًا عدلًا إلا إذا فهم القضية، وبعض الخصوم يكون عنده شيطنة، يلبس على القاضي حتى لا يفهم الحقيقة، ويجره إلى بعض الجوانب وبنيات الطريق، حتى يبعده عن جوهر القضية فيضيع، فقال: يا أمير المؤمنين! أنا أرى أن يكون لها ليلة من أربع، ويوم من أربعة، وله ثلاث ليال يقوم فيها، وثلاثة أيام يصوم فيها إذا شاء، وأما اليوم الرابع فلا يصومه ولا يقوم ليلته، فقال له: لماذا قسمت ثلاثًا وواحدة؟ قال: أرى أن الله قد أعطاه حق الزواج بأربع، فلو كان متزوجًا بأربع نسوة، فحصتها واحدة من أربع، فقال عمر: والله! لا أدري مما أعجب من فهمك لقضيتها أم من حكمك فيها! اذهب فأنت قاضي أهل البصرة؛ لأن القضاء فهم.
يهمنا من هذه القصة أنها جاءت تشتكي، وكفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول.
وكما يقولون: إذا هجر الزوج زوجته أو قصر معها فحصل منها شيء فهو مشترك معها.
وقوله: (إن لبدنك عليك حقًا) ، هنا يقول بعض الناس أيضًا: لا بأس بصوم الدهر لمن استطاعه، وليس عليه تبعات لأحد، كإنسان معزول ومقطوع وليس عنده شيء، وحياته على نفسه، والتمسوا لذلك مفاهيم من بعض الأحاديث، فقالوا: وجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من صام رمضان وأتبعه ستًا من شوال فكأنما صام الدهر) ، وعلماء البلاغة يقولون: إن الكاف في (كأنما) أداة تشبيه والمشبه والمشبه به يشتركان في وصف واحد، ولكن الوصف يكون أقوى في المشبه به مثل زيد كالأسد أي: في الشجاعة، والشجاعة في الأسد أكثر منها في زيد.
فقالوا: إذًا: ما دام صوم رمضان وستة أيام من شوال مشبه بصوم الدهر فصوم الدهر جائز، لكن هذه تلفيقه؛ لأن هذا صوم مع صوم رمضان، وقد أفطر، ولما جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد نحل من الصيام قال له: (عليك بالأشهر الحرم صم منها وأفطر، ثم قال: صم ثلاثة أيام من كل شهر، قال: أطيق أكثر، قال: صم الإثنين والخميس مع الثلاثة، قال: أطيق أكثر، قال: صم يومًا وأفطر يومًا، قال: أطيق أكثر، قال: خير الصيام صيام أخي داود، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا) ، أما اليوم الذي يصوم فيه فيتذكر المساكين، وأما اليوم الذي يفطر فيه فيشكر نعمة الله عليه، فقوله صلى الله عليه وسلم: (خير) وخير من أفعل التفضيل وأصلها أخير، ولكن حذفوا الهمزة لكثرة استعمالها، (خير الصيام صيام أخي داود) ، وصيام نبي الله داود هو أنه كان يصوم يومًا ويفطر يومًا.
إذًا: صيام يوم وفطر يوم أفضل من صوم الدهر، أما تشبيه صيام رمضان وست من شوال بصيام الدهر فهذا للمبالغة ولبيان عظيم أجر هذه الصورة في الصوم، وليس معناها تقرير صوم الدهر، وإذا جاء المفهوم وجاء المنطوق يقدم المنطوق؛ لأنه نص في الموضوع، فلما نهى صلى الله عليه وسلم عن صيام الدهر كان النهي مقدمًا على ما يفهم من عملية التشبيه ووجه الشبه، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.