[وعن الحكم بن حزن رضي الله عنه قال: (شهدنا الجمعة مع النبي صلى الله عليه وسلم فقام متوكئًا على عصًا أو قوسٍ) رواه أبو داود] .
توكؤ الخطيب على شيء في يده مظهر من مظاهر الخطابة عند العرب قبل وبعد الإسلام، فكانوا إذا كان الخطيب في قوم لابد أن يكون على نشز مرتفع أو على ظهر ناقته أو جواده؛ لأنه بارتفاعه يشرف على أكثر عدد ممكن، وبارتفاعه يبلغ صوته أكثر مما لو كان منخفضًا.
ومن هنا كانت الخطبة على المنبر، وإن كان أصل المنبر في المسجد النبوي الشريف شفقة بطول قيام رسول الله، كان صلى الله عليه وسلم يقوم على قدميه في الروضة فيخطب متكئًا على جذع، فكان يتكئ عليه ويخطب، فرأت امرأة من الأنصار أن النبي صلى الله عليه وسلم يقف ويطيل القيام، ويبادل بين قدميه لطول الوقوف، فقالت: يا رسول الله! إن لي غلامًا نجارًا فهل تأذن له أن يصنع لك منبرًا تجلس عليه حين تقوم، فأذن له، فذهب الغلام وجاء بأعواد من الطرفة من الغابة عند ملتقى الأسيال وراء بئر رومة وصنع المنبر من ثلاث درجات، درجة أولى، والدرجة الثانية عليها القدمان، والدرجة الثالثة يجلس عليها، فانتقل صلى الله عليه وسلم من موقفه واقفًا إلى موقع المنبر للجلوس عليه.
وكان من شأن الجذع أن حن لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمع المصلون حنين الجذع لرسول الله ونزل إليه فالتزمه كما يهدئ الأب ولده أو الأم طفلها وقال: (إن شئت أخذتك فغرزتك فأورقت وأثمرت وأينعت، وإن شئت كنت من غرس الجنة؟ قال: أريد أن أكون من غرس الجنة، فدفنه صلى الله عليه وسلم في الروضة في أصل المنبر) .
إذًا: صنع المنبر ابتداءً لراحة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من ثلاث درجات كما هو معلوم، فجاء الناس وصنعوا المنبر واعتبروه من جهة راحةً للخطيب ومن جهة للإشراف عليهم ليكون أدعى لانتشار الصوت وبعده.
ولهذا كانت السنة أن الخطيب يكون على مكان مرتفع فإلم يكن فعلى ظهر بعيره، وإلا فعلى ظهر فرسه، فجاء الإسلام وجعل المنبر للخطيب، وكان الخطيب يعتمد على قوسٍ أو عصا، فالقوس من أدوات القتال والعصا من أدوات التوكؤ فيقول الأدباء: إذا كان موضوع الخطبة يتعلق بالقتال والجهاد من هذه الناحية كان الاتكاء على قوس إشعارًا بجدية الموضوع، وإن كانت الخطبة مثلًا في أمور سلمية اتكأ على عصا؛ لأن العصا تشعر بعدم الحرب، والقوس يشعر بالشدة والقتال.
فهنا كلمة (أو) تكون مشعرة بالشك، أو أنه أحيانًا يتكئ على قوس وأحيانًا على عصا، فأحيانًا صلى الله عليه وسلم يخطب الناس ويهيئ الجيوش فيندبهم إلى القتال، والذي يناسب في هذه الحالة أن يكون متكئًا على قوس.
وأحيانًا يخطبهم ويبين لهم بعض ما يرد عليه أو بعض ما يعرض لهم من إشكالات وأحيانًا يقول: أيها الناس! احضروا المنبر، ويكون لأمر دنيوي أو تشريعي فيكون الاعتماد على عصًا، ولو كان على المنبر، والاتكاء -أيها الإخوة- أثناء الخطابة يساعد الخطيب على استرساله في موضوعه.
ومن العجيب أنهم كانوا في أثناء القتال في التاريخ الأول يأتي الخطيب وبيده السيف، فيصعد المنبر وهو مستل سيفه يتكئ عليه، فيخطب وهو متكئ على السيف بدلًا عن القوس وإذا جئت إلى بعض مساجد الأرياف خارج المملكة تجد السيف مصنوعًا من خشب على المنبر يحاكي ما كان سابقًا فيأتي الخطيب ويصعد المنبر وبيده سيف من خشب، لا حول ولا قوة إلا بالله! تقليد! والسيف الخشب سيشعر بقتال.
إذًا: انتقلت تلك العادة حتى أدت إلى هذا التقليد بهذه الحالة، ولكن لابد إما أن يكون عصًا فعلًا وإما أن يكون قوسًا، فإذا لم تدع الحاجة لذلك ولا يوجد، ولا تعود الناس على ذلك صعد وأمسك بيده جانب المنبر، وبعضهم يقول: يضع اليمنى على اليسرى، وبعضهم يقول: اليدين على جانبي المنبر إلى آخره.
ويذكر بعض الأدباء في عادة الخطباء أنه لابد أن تكون يده في شيء محسوس.
وبعض النكت عن بعض الأدباء يقولون: مفتاح عقل الخطيب في شيء يتعوده، وذكروا عن خطيب غير عربي كان بليغًا جدًا، ولاحظ شخص أنه عند الحديث يمسك زرار السترة، ويعبث به طيلة ما يتكلم، فجاء إنسان وعند بدئه للصعود للخطبة قطع هذا الزرار، فوقف ليخطب فأخذ يحسس ويطلب الزرار فلم يجده فضاع عليه المفتاح، فلعله من باب شيء في يده محسوس على حسب ما تعود يساعده حتى يسترسل في موضوعه إلى غير ذلك، لكن الأصل كما يقول الأدباء: أن يعتمد الخطيب على شيء إما عصا أو قوس وذلك بحسب مناسبة الخطبة، وكما يقال: لكل مقال مقال.
وهنا يا إخوان ينبه العلماء: أنه إن اعتمد على عصا أو قوس إنما يكون لمجرد الاعتماد، لا أن يرفعها للتهديد أو يدق المنبر بها، إنما تكون في يده يعتمد عليها، إذًا: عمل للعصا ولا للقوس، وإنما هي اتباع لسنة النبي صلى الله عليه وسلم دون أن يدق بها درج المنبر أو يشهرها على الناس أو يهدد بها.