قراءة القرآن للتعليم أو ليهبها إلى غيره: إن كان من نفسه فلا بأس.
أما أن يستأجر غيره ويعطيه أجرًا من أجل أن يقرأ ويهب فلا يجوز.
وهذا الحديث سيق لبيان جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، ولكن القصة في غير التعليم، القصة: أن نفرًا من الصحابة نزلوا ليلًا في طريقهم بحي من أحياء العرب كانوا على شركهم، والعرب معروف أنهم يقرون الضيف، فاستضافوهم فامتنعوا من الضيافة، فتنحوا عنهم جانبًا ونزلوا، فسلط الله على سيد الحي عقربًا فلدغته، فأخذوا يطلبون له العلاج بكل ما يعرفون فلم ينفعه شيء، فقال قائلهم: اذهبوا إلى هؤلاء الرهط الذين جاءوا من عند هذا -وذكروا النبي صلى الله عليه وسلم- لعلكم تجدون عندهم رقية، فأتوهم، فقالوا: هل فيكم من راقٍ؛ فإن سيد الحي قد لدغ؟ فقال رجل منهم: نعم، أنا راقٍ.
قالوا: هلم وارق سيد الحي.
فقال: قد طلبناكم القرى فأبيتم، فلا أرقيه لكم حتى تجعلوا لي جعلًا.
والجعل: هو الأجر المقطوع، مثال ذلك: من نسخ لي صحيفة كذا فله ريال، من بنى لي جدارًا فله ألف ريال، أجر مقطوع على هذا العمل.
فقاطعوه على عشرين إلى ثلاثين رأسًا من الغنم، قال: فذهبت، فأخذت أقرأ وأنفث عليه، فقام وكأنه نشط من عقال، فجئت بالغنم أسوقها لأصحابي، قالوا: هلم نقتسم.
قال: لا، حتى نرجع إلى المدينة ونسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم هل تجوز لنا هذه الأغنام أو لا؟ فأمسكوا عن القسمة، ولما رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أقره على ذلك، وقال: (وما يدريك أنها رقية؟ قال: شيء نفث في روعي) ، وهذا -كما أشرنا إليه- نوع من الإحساس الصادق؛ (فتبسم صلى الله عليه وسلم وقال: اقتسموها واضربوا لي معكم بسهم) ، وهل كان حاضرًا معهم؟ لا، هو له الحق في كل ما يكتسبه المسلم عن طريق الدين؛ لأن الفاتحة أتتهم عن رسول الله؛ فالحق الأساسي فيها لرسول الله، ولكن يقولون: هذا زيادة توثيق لهم وطمأنينة لأنفسهم؛ لأنهم تورعوا أن يقتسموها قبل أن يعلموا الحكم؛ فأراد أن يزيل آثار هذا الشك بأن يشاركهم في قسمتها، فشاركوه.
فهنا لما اقتسموا وقال للرجل: (إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله) ، يعني: الجعل الذي أخذته أجرًا على ما فعلت بالفاتحة أحق الأجر.
وفي بعض الروايات: (لئن أكل الناس برقى باطل فقد أكلتم برقيا حق) ، هنا القصة قصة رقيا من لدغة عقرب، وهي تدخل في باب الطب، وباب تعليم القراءة، وباب قراءة القرآن للأجر؛ فقوله: (أحق ما أخذتم عليه أجرًا) مطلق، لم يقل: في تعليمه قراءته في التطبب به، والمؤلف اقتصر في الباب على رواية البخاري مع وجود نصوص عديدة في هذا الموضوع؛ لأن البخاري يميل إلى جواز أخذ الأجرة على التعليم، ونسبة ذلك عند البخاري لماذا؟ قال: هذا اللديغ استفاد من الراقي أم لا؟ نعم، كأنه نشط من عقال، فيقول استنتاجًا من هذا: حينما يتعلم إنسان القرآن يكون قد استفاد، فحصلت الفائدة للمتعلم نظير ما حصلت الفائدة للديغ الذي تعافى من لدغة العقرب، فإن صحت الأجرة على منفعة المريض بالشفاء فلا مانع من أن تصح الأجرة على من استفاد بالتعليم.
وأعتقد أن هذا قياس واضح وقوي جدًا.