أعتم بهم ذات ليلة، وليس كل ليلة، أو كل أسبوع مرة، أو كل شهر مرة أو مرتين، بل ليلة ليبين الأفضل والجواز، وهذا في حق الأفراد لا في حق أئمة المساجد؛ لأن المساجد يأتي إليها أجناس الناس المختلفة قوة وضعفًا، كما في الحديث: (من أمّ بالناس فليخفف، فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة) .
إذًا: أعتم ذات ليلة ليبين الفضيلة، ولم يُعتم بعدها، واستقر الأمر على أن يصلي العشاء في أول وقتها، وفي بعض الروايات أنه قال: (إنه لا ينتظرها على وجه الأرض غيركم) ، يعني: يريد أن يخفف عنهم عناء السهر الذي سهروه، فأخبرهم بأن سهرهم هذا لا نظير له على وجه الأرض، أي: أنتم الذين خصكم الله بهذا الفضل، ولا يوجد على وجه الأرض من ينتظر صلاة كانتظاركم، ففرحوا بهذه الخصوصية والأفضلية، وهان عليهم ما مضى من سهر وانتظار لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
إذًا: النبي عليه الصلاة والسلام أعتم ذات ليلة، وهل استمر على ذلك؟ لا، بل رجع إلى ما كان عليه من قبل، وهو صلاته بهم في أول الوقت، أو كما قال الراوي: (أما العشاء فكان يصليها أحيانًا وأحيانًا، إذا وجدهم اجتمعوا عجل، وإذا رأى منهم تأخيرًا أخر) ، وذلك انتظارًا لمن لم يحضر حتى لا تفوته الجماعة.