وإذا تركنا هذا جانبًا وجئنا إلى المنهج أو السيرة التاريخية وسبق أن كتبنا في ذلك من عشرات السنين، رسالة التراويح أكثر من ألف عام في مسجد النبي عليه السلام؛ ردًا على أولئك الذين يقتصرون على الثمان في رمضان، ويدعون الناس إليها، ولا تكون في أنفسهم، والذي يتبين من دارسة هذا الموضوع تاريخيًا نعلم جميعًا أن مبدأ التشريع ومصدره من سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، ماذا كان موقفه وعمله صلى الله عليه وسلم في التراويح؟ وماذا كان عمل خلفائه الراشدين رضوان الله تعالى عليهم؟ وإلى متى استقر الأمر عند علماء الأمة؟ نجد ابتداء حديث أبي هريرة الذي تقدم التنويه عنه: (إن الله قد فرض عليكم صيام رمضان وسننت لكم قيامه) وجاء الحديث: (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه) قام رمضان لم يحدد ولم يعين، ثم عموم صلاة رسول الله، نجد القرآن الكريم يقول: {قُمْ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوْ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا} [المزمل:2-3] سبحان الله! {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} [المزمل:5] إلى آخره، فالقرآن في قيام رسول الله، وتكليفه بقيام الليل لم يحدد له عدد الركعات، وترك الأمر إليه (نصفه أو ثلثه أو زد عليه) سبحان الله العظيم! إذًا: لا يوجد تحديد في الآيات.
وحديث أبي هريرة يبين لنا أن الأمر في بدايته كان للترغيب، ولرغبة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخير بادروا، فكانوا يقومون رمضان فرادى، ثم بعد ذلك وجد قراء يقرءون، وفي المسجد جماعات، وكان العامة أو الناس يصلون أوزاعًا وراء من يقرأ القرآن، وكانوا يتبعون حسن الصوت فيصلون وراءه، إذًا: كانت التراويح في الطور الثاني تقام جماعة مع من يقرءون القرآن، ويتبع الناس من كان أحسن الناس صوتًا، استمر الأمر كذلك، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في فعله.