في نهاية أنواع الغرر يذكر لنا المؤلف رحمه الله: النهي عن بيع السمك في الماء، والفقهاء يتفقون على أن السمك في الماء والطير في الهواء لا يجوز بيعهما وإن كان مشاهدًا؛ لأنه في الغالب معجوز عن تسليمه، وقد يكون للجهالة، ولكن الفقهاء يفصلون تفصيلات يمكن تطبيقها، فالسمك في الماء له حالتان: حالة يكون فيها الماء كثيرًا غزيرًا مستبحرًا لا يستطيع صاحبه أن يسلمه، هذا إذا كان مملوكًا له في حوض، أما إذا كان في النهر، أو في البحر، فهو لا يملكه حتى يبيعه، وإنما يملكه إذا اصطاده وكان في يده، ولو قال له وهم يشاهدون الأسماك في الماء: اختر السمكة التي تريد وأنا أبيعها عليك، وأصطادها، وأعطيك إياها، فهذا لا يصح.
وجانب آخر وهو ما يقوله الشرّاح: أن الماء يغيّر الحجم؛ فإما أن يزيد في حجم العين إذا كانت في الماء، وإما أن يقلل من حجمها، وهذا مشاهد، وسبب ذلك: زاوية الضوء المسلطة على الماء، فقالوا: بيع السمك في الماء يعتريه الغرر من جهتين: جهة عدم القدرة على تقدير حجمه في رؤية العين، وجهة عدم القدرة على تسليمه.
لكن تنص كتب الحنابلة: أن الماء إذا كان قليلًا والحوض صغيرًا، ويمكن أن يلتقط السمكة التي تختارها أنت، وهذا قد يكون في الإمكان، كما لو كان الحوض مثلًا مترين في مترين في عمق متر، والأسماك تتحرك فيه، إن سلم من الكبر والصغر، أو كان له الخيار وعيّن سمكة بعينها لا تختلط مع غيرها، فقد توجد أسماك -مثلًا- تأخذ اللون الأحمر، وأسماك تأخذ اللون الأصفر، وأسماك تأخذ اللون الأسود أو الأبيض وهكذا، فعيّن سمكة تختلف مع السمك الآخر، وقال: أريد هذه السمكة الحمراء، فاصطادها، وأخذها بشبكة صغيرة، أو بقفص وأحضرها إليه، فإذا أحضرها إليه وكانت على المقدار الذي قدره لها وهي في الماء فالحمد لله، وإن وجد في الأمر اختلافًا حيث أنه كان يراها في الماء كبيرة، ولما طلعت من الماء فإذا بها صغيرة، فله خيار النقض: إن شاء أمضى البيع، وإن شاء ردها إلى الماء.
إذًا: بيع السمك في الماء ممنوع لسببين: لاختلاف الحجم وفيه الغرر، وللعجز عن تسليمه ففيه أيضًا الغرر، فلا يجوز، وإذا أمكن انتفاء الغرر؛ بأن كان يمكن أخذها بسهولة، ولا تختلط مع غيرها، ويكون له الخيار إذا وجدها على خلاف ما كان يُقدِّر، وبهذا يكون البيع لا غرر فيه ولا ضرر على أحدهما، فلا بأس به.