قوله: (اللهم أعني على ذكرك) الذكر يكون باللسان وبالعمل، والذكر في العمل يفسره قوله سبحانه في سورة الجمعة: {إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة:9] ، ذكر الله النداء إلى الصلاة حي على الصلاة، وذكر الله الإمام الذي يصلي ويخطب، هذا كله ذكر الله، سعينا إليه، {فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا} [الجمعة:10] .
وقد أشرنا فيما مضى بأن أشمل وأعم العبادات في الكون هو الذكر؛ لأنه العبادة التي لم تقتصر لا على ملائكة السماء، ولا على مؤمني الإنس والجن، بل اشترك فيها الجماد والنبات والحيوان، كما جاء العموم: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} [الإسراء:44] ؛ فهي تسبح بحمده سبحانه، وإذا جئنا إلى كل العبادات {أَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي} [طه:14] ، سواء كان لتذكري أو كان لتذكرني فيها، فكلها من أولها من النداء إليها إلى الافتتاحية: (الله أكبر) ، إلى قوله: (السلام عليكم) ذكر لله، والصائم طول وقته يكون ذاكرًا لله، وإن كان أبكم أو أصم؛ لأنه إذا صام في شدة الحر، والماء البارد عنده، ويده تمتد في الماء يتبرد، ويشتهي قطرة واحدة؛ فما الذي يمنعه وليس عنده أحد، ما الذي يمنعه؟ لأنه يذكر قول الله: (يترك طعامه وشرابه من أجلي) ، كذلك في الزكاة: يخرج المال بدون عوض، لماذا؟ لأنه يذكر الله، وينتظر العوض بسبعمائة، ومضاعفة إلى ما يشاء الله سبحانه، الحج من أوله: (لبيك اللهم لبيك) ذكر لله إلى أن تنتهي من طواف الوداع وأنت في ذكر لله: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} [البقرة:198] (أفضل ما قلته أنا والنبيون في يوم عرفة: لا إله إلا الله ... ) إلى آخره، في السعي تذكر الله، في الطواف ذكر لله، حتى بعد رمي الجمرات: باسم الله، الله أكبر، إرضاءً للرحمن، وإرغامًا للشيطان، ليس هناك خطوة قدم واحدة في الحج إلا وفيها ذكر الله، إذًا: ذكر الله في جميع العبادات.
ولهذا كانت وصية الرسول الله صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه: (لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله) لا تجعل اللسان يفتر عن ذكر الله، وهذا لا يمنعك لو كنت صانعًا أن يبقى لسانك في فمك يذكر الله، وإذا لم تستطع بلسانك فبقلبك وهو مراقبة الله: {فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ} [الجمعة:10] ، إما باللسان: اجعل لسانك رطبًا بذكر الله.
وإما في العمل: أنت ذهبت تسعى في طلب الرزق، وعملك فلاح تحرث الأرض، تضع البذرة باسم الله، وتدفنها، وتنتظر إنباتها من أين؟ تقول: يا رب أنبتها، طلع النبات.
يا رب تثمرها، طلعت الثمرة.
يا رب تحفظها، جاءت الثمرة.
يا رب تبارك فيها، فأنت دائمًا على ذكر لله، وأشد الناس ذكرًا لله الفلاح، ولو لم يكن متعلمًا يضع الحبة ويرميها وهو لا يعرف على جنبها أو ظهرها أو بطنها، ثم تجد الحبة في بطن الأرض نبتت عودين عود إنبات وعود جذر، من الذي وجه الإنبات إلى سطح الأرض حتى يظهر، والجذر إلى بطن الأرض حتى يغوص فيها ويمتص لها الغذاء، كنت أنت تعدلها في الليل أو النهار؟ لا والله، فإذا أنبت النبات {فَلْيَنْظُرْ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ} [عبس:24-32] ، من الذي فعل هذا؟ فهو دائمًا مع الله سبحانه وتعالى، إن كنت صانعًا كانت لك صناعة مضبوطة، إن ذكرت الله تركت الغش: (من غشنا ليس منا) ، وإن غفلت عن ذكر الله جعلت الحابل مع النابل، إن كنت تاجرًا تبيع وتشتري فأمامك المكيال والميزان كل عمل للإنسان فيه طلب للرزق يذكر الله فيه، إما بلسانه، وإما بفعله يراقب الله فيما يعمل، وهكذا.
(أعني على ذكرك) باللسان بالمراقبة، (وعلى شكرك) بالقول وبالفعل، وببذل النعمة وشكرها (وحسن عبادتك) وأحسن ما يكون من الإنسان في العبادة: أن يكون مطابقًا لما شرع الله، ولما سَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خالصًا لوجه الله سبحانه، والله تعالى أعلم.