ذكر المؤلف رحمه الله جزءًا من حديث طويل، وسبق أن كتبت عنه في كتاب صدر باسم: وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجمع هذا الكتاب فوق الخمسين وصية بنص الوصية، لا كما فعل بعض الناس جمع النصائح من باب الترغيب والترهيب، وجعلها وصايا، بل ذكرت ما فيه: (أوصاني خليلي) ، وهذا الحديث ذكره الشارح الصنعاني وسنشرحه جملة جملة.
[وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: (أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم) ] .
هذه الخلة نعمة كبرى، وإذا سمعت هذه الكلمة: (أوصاني خليلي) تحس برقة وتحس بشفافية، وقوة ارتباط: (خليلي) من التخلل، وأصل الخلة: مأخوذة من عيدان الخِلال، أتعرفون الخِلة؟ إن الفلاحين يعرفوها، وقبل ما تظهر المساويك هذه وفرشات الأسنان، كان كوز الخِلة في الجيب دائمًا وأبدًا، وهي عبارة عن ثمرة فيها أعواد رفيعة دقيقة مثل الإبر التي طرفها عادي، وليست متينة، والكوز يجمع حوالى مائة عود، فكانوا يخَللون بها الأسنان، ينظفون ما بين السن والسن، وما بين السن والسن ضيق جدًا، وبعضهم يتخلل بالخيط، فالخلة هذه تدخل بين السنّين بقوة وبضغط، ولا تدع فراغًا بين السن والسن إذا تخلل بها، فكذلك الخلة محبة تتخلل القلب فلا تدع فراغًا لغير المحبوب؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: (لو كنت متخذًا من أمتى خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن الله اتخذني خليلًا) ، ومنه الخليلة، شديد الحب لها، حتى تخلل حبها قلبه، فلم يبق لغيرها مكان، وهنا قال: (أوصاني خليلي) يعني: حبيبي الذي ملأ حبه قلبي، فلم يعد لأحد مكانًا فيه.
وإذا كان الموصى له بهذه الصفة يحب خليله، فسيوصيه بأعظم شيء، وبأحسن شيء؛ لأنها وصية من الخليل إلى الخليل، قال: (أوصاني خليلي) ، من هو؟ ما يحتاج أن يسميه؛ لأن الوصف إذا ذكر مطلقًا صرف إلى أعلى فرد فيه، وأعلى فرد في الخلة والمحبة للصحابة ولكل مسلم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي الحديث: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ماله وولده والناس أجمعين) .
وكلمة: الوصية وأوصاني لها فقه في اللغة: وصل، وصي، قالوا: إذا اتفقت الكلمتان في المادة في حروفها، واختلفت في حرف واحد، كان بين الكلمتين ارتباط وصلة، فوصي من وصل الحبل، فكأن الموصي يصل الموصى إليه بخير من عنده، فعندما تقول: أوصيك بكذا؛ فكأنك تصله بمعروف من عندك، ومنه الوصية في المال، تقول: أوصيت لفلان بكذا، يعني: وصلته بشيء من مالي.