بقية الأعضاء السبعة التي جاء ذكرها هل يجب كشفها حتى تباشر الأرض كما تقولون في الجبهة: لا يصح السجود عليها مع وجود حائل؟ قالوا: لا، فيستحيل كشف الركبتين للسجود؛ لأن فيه كشفًا للعورة وإبطالًا للصلاة، ولا تنسوا القاعدة التي يقولها ابن دقيق العيد: الفرع إذا عاد على الأصل بالإبطال كان باطلًا.
إذًا: هذا الفرع باطل لأنه سيبطل الأصل.
إذا قلتم بأن الركبتين كشفها عورة؛ فإذا كان لابسًا الخف ومسح عليه، وله يوم وليلة أو ثلاثة أيام، ومعلوم أنه سيصلي في اليوم والليلة خمس صلوات؛ فهل يصح أن ينزع الخفين ليباشر بقدميه الأرض؟ لا؛ لأن من نواقض الوضوء لماسحٍ على الخفين نزع الخفين، هذا عند الجمهور بصرف النظر عن المخالف، فهل تقولون لمن لبس خفين: انزعهما لتباشر بالقدمين الأرض؟ لا.
إذًا: تسامحتم مع صاحب الشراب، ولو توضأ وغسل القدمين، لا تقولون: اخلع الشراب حتى تصح الصلاة.
فإذًا: يجوز ستر الركبتين والقدمين، وهل يمكن لإنسان يهذي ويقول: إذا لبس قفازات ما جاء النص أن يخلعها حتى تباشر بيديه الأرض، ولكن جاء حديث آخر يذكره ابن حجر، ويذكره في نيل الأوطار بأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يصلون وأيديهم في ثيابهم، وكون اليد من داخل الثياب وهو ساجد، فالثياب حائلة بين يده وبين محل السجود، وهذا نص مختلف في رفعه ووقفه، والموقوف أصح، وسواء كان مرفوعًا أو موقوفًا على الصحابة؛ فإذا فعل ذلك أصحاب رسول الله، فليس من المعقول أن يفعلوا ما يبطل الصلاة.
والرد على من يقول: لا يصح السجود على متحرك بحركة المصلي يذكره مالك في الموطأ قالوا: (شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شدة الحر فلم يشكنا) ، أي: لم يسمع شكوانا، بمعنى: كان المسجد تأتيه الشمس فتكون أرضه حارة، فإذا سجدوا كانت حرارة الحصوة على الجبهة لا تحتمل، (فكان أحدنا يسجد على طرف ثوبه -أي: على كمه- وكان بعضنا يأخذ القبضة من الحصباء) ، أي: إذا سجد وقام للركعة التالية ملأ يده حصباء وأبقاها في كفه حتى يقرأ ويرفع ويركع (فإذا أراد السجود بسطها وسجد عليها) وهذه متحركة بحركته وهي أيضًا حركة زائدة، فالثوب لعله بضرورة الحال، لكن هذه قصدًا يحملها معه في كفه، ثم يطرحها ويسجد عليها؛ لأنها تكون بعامل وجودها في كفه قد بردت من تلك الحرارة الشديدة.
وخروجًا من هذا الخلاف، وتحقيقًا للمعنى، وإبعادًا لشبهة احتمال الكبر كما في قصة الغرانيق، فالمشركون كلهم سجدوا مع رسول الله إلا واحدًا رفع قبضة من الأرض ووضع جبهته عليها، فكان ذلك كبرًا منه عن السجود؛ فنقول: إن كشف الجبهة أولى، خروجًا من هذا الخلاف، وتحقيقًا لمعنى الخضوع والخشوع بين يدي المولى سبحانه، وإبعادًا عن احتمال الكبر، وحتى لا يتذرع البعض بأن فلانًا يفعل كذا، وفلان يفعل كذا، وهذا جائز، وهو لا يفعلها على سبيل الجواز، ولكن يفعلها كبرًا، خروجًا من هذا كله، فإنه يبتعد عن تغطية جبهته عند السجود.