قال رحمه الله: [وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يخفف الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح، حتى إني أقول: أقرأ بأم الكتاب؟!) ] متفق عليه.
لم يأخذ من رواتب النافلة حيزًا في البحث عند الفقهاء، ولا نصوصًا عند العلماء؛ كركعتي الفجر والوتر، أما ركعتا الفجر فتقدم قول أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: (إن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان أشد تحريًا لصلاة كركعتي الفجر) ، وتقدم أيضًا: (صلوا ركعتي الفجر ولو طاردتكم الخيل) فهذه نصوص في التأكيد عليها , وكذلك ما جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه حافظ عليها في الحضر والسفر، وتقدم في قصة بلال أنه قال له: (اكلأ لنا الفجر) فما أيقظهم إلا حر الشمس، فارتحلوا عن ذلك الوادي، فأمر صلى الله عليه وسلم بلالًا بأن يؤذن للصلاة، فأذن ثم صلى ركعتي الفجر، ثم أقام وصلى الفريضة، وكذلك جاء في الحديث: (من فاتته ركعتا الفجر حتى صلى الصبح فليركعهما بعد طلوع الشمس) ، وكذلك جاء إقراره صلى الله عليه وسلم لمن صلاهما بعد صلاة الصبح وقبل طلوع الفجر، فقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه لما انصرف من صلاة الصبح وجد رجلًا يصلي، فأخذ بيده وقال: (آلصبح أربعًا؟ فقال: يا رسول الله! هذه ركعتا الفجر فاتتني فأنا أصليهما، فقال: إذًا: لا بأس) وهكذا ما يتعلق بالفرائض.
ثم جاءت الكيفية وما يتبعها، فنجد هنا أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها تبين لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخففهما، وتبين من هذه الصورة قولها: (حتى إني لأقول: أقرأ بأم الكتاب؟) أي: هل قرأ بأم الكتاب أم لم يقرأ؟! ومن المعلوم أنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، ولكنها رضي الله تعالى عنها تبين لنا إلى أي مدى كان هذا التخفيف، وسيأتي النص بأنه كان يقرأ بـ (قل يأيها الكافرون) و (قل هو الله أحد) يعني: ليس مجرد الفاتحة فقط بل ومعها سورة أخرى، ولكن لو تأملنا موقع ركعتي الفجر هاتين مع صلاته صلى الله عليه وسلم بالليل -وهما من آخر ما يصلي، كان يقوم الليل إلى أن يوتر قبل الفجر ثم يؤذن ثم يصلي الركعتين- لوجدنا النسبة بينهما بعيدة جدًا، ولهذا عندما نقارن بين صلاته صلى الله عليه وسلم بالليل وما وصفته به أم المؤمنين بنفسها تقول: (كان صلى الله عليه وسلم يصلي أربعًا لا تسل عن حسنهن وطولهن) ، وفي الحديث أنه (كان يقرأ الفاتحة ثم يقرأ البقرة، والنساء وآل عمران، ثم يركع نحوًا من ذلك، ثم يرفع نحوًا من ذلك، ثم يسجد نحوًا من ذلك) ، وذكرت الركعة كلها في أركانها نحوًا من ذلك، فكم تستغرق الركعتان من قيام الليل؟ فإذا جئنا إلى ركعتي الفجر بـ (قل يأيها الكافرون) و (قل هو الله أحد) وجدناها إلى جانب صلاة الليل كالصفر على الشمال، شيء بسيط جدًا.
إذًا: قول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (يخفف) ليس معنى ذلك التخفيف الذي يخرج الصلاة عن قواعدها أو يخل بصحة الصلاة، ولكنه تخفيف في القراءة مع الطمأنينة في الصلاة بأكملها، لكن بالنسبة إلى صلاته صلى الله عليه وسلم ليلًا تكون خفيفة جدًا، بدليل أنه يجتزئ بهاتين الخفيفتين عن هذه النافلة التي شدد فيها، وهذا له نظير: في منصرفه صلى الله عليه وسلم من عرفات نزل ليريق الماء، فصب عليه أسامة الوضوء، فقال: (توضأ ولم يسبغ الوضوء) ، هذا الحديث كثر فيه كلام الفقهاء منهم من يقول: إنه غسل يديه واستنجى فقط، والآخر يقول: إنه غسل مرة مرة واحدة، ولكن نحن نعلم بأن إسباغ الوضوء واجب فقد قال صلى الله عليه وسلم: (ويل للأعقاب من النار) ، وإسباغ الوضوء ينقسم إلى قسمين: قسم يترك خللًا؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (ويل للأعقاب) لما رأى في أعقابهم لمعًا -أي: بياضًا لم يصبه الماء - فكان هذا نقصًا في الوضوء، ومن عدم إسباغ الوضوء أيضًا أن يتوضأ مرة مرة؛ لأن السنة جاءت بالوضوء ثلاث مرات، ونعلم بأنه لو توضأ مرة مرة فغسل كامل العضو المطلوب فإن هذا الوضوء تصح به الصلاة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة ثم قال: (هذا الوضوء الذي لا يقبل الله صلاة بغيره) ، يعني: بأقل منه، ثم توضأ مرتين مرتين، وقال: (هذا وضوء من قبلنا) ثم توضأ ثلاثًا ثلاثًا، وقال: (هذا وضوئي ووضوء أمتي) ، فعرفنا أن أقل ما يجزئ غسلة، ووضوء الأمم قبلنا غسلتان، ووضوءنا الكامل ثلاث غسلات ما عدا المسح فإنه لا يكرر.
ويقول النووي: لو تكرر المسح لشابه الغسل، وأصبح الماء على الشعر كأنه غسل.
إذًا: قول الراوي: (لم يسبغ الوضوء) ، مثل قول أم المؤمنين هنا: (حتى أقول: أقرأ بأم الكتاب أم لم يقرأ؟) ، والجواب عمن يقول: إن عدم إسباغ الوضوء ينصرف إلى الوضوء اللغوي، أن نقول: لا، لأن نص الحديث: (لم يسبغ) لا يقال في الوضوء اللغوي أسبغ أو لم يسبغ؛ لأن الذي يقال فيه: إسباغ هو الوضوء الذي تصح به الصلاة، فلما قال: (لم يسبغ الوضوء) فهمنا أن هذا الوضوء المذكور مما من شأنه أن يوصف بالإسباغ، وما لا يوصف بالإسباغ لا ينفى عنه، وهذه قاعدة -كما يقولون عند الأصوليين وعلماء المنطق- تسمى: (العدم والملكة) ، أي: لا ينفى الشيء عما لا يتصف به.
فإذا قلت: هذا العمود لا يسمع، ولا يبصر، كان هذا خطأ؛ لأنه ليس من شأنه أن يسمع أو يبصر حتى تقول: لا يسمع ولا يبصر، فكذلك غسل اليدين والاستنجاء، والوضوء اللغوي لا يقال: فيه إسباغ، فلا تحمل كلمة (وضوء) عليه، ولكن الذي يقال فيه إسباغ: هو الوضوء الذي تقع به الصلاة.
إذًا: هناك اقتصر واكتفى بالوضوء مرة مرة، وعندما جاء مزدلفة توضأ وأسبغ، إذًا: الوضوء الأول كان معتمدًا أم لا؟ البعض قال: غير معتمد، ولكن الصحيح أنه معتمد وقالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على جميع أحيانه، فلما أراق الماء وانتقض الوضوء , وهو سيذكر الله وخاصة في تلك اللحظات: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} [البقرة:198] أي: في طريق المشعر الحرام، فهي موضع لذكر الله، فكره أن يذكر الله على غير وضوء، ونظير ذلك ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه مر بسباطة قوم -السباطة: هي موضع القمامة- فوقف يبول وهو قائم، فمر رجل عليه وسلم، فلم يرد عليه السلام، حتى إذا جاء إلى جانب جدار تيمم ثم رد السلام على الرجل وقال: (إني كرهت أن أذكر الله على غير طهارة) لكن هذه الطهارة ليست طهارة صلاة؛ لأنه في الحضر، وحكمه وجوب الوضوء بالماء، ولكن التيمم هنا للتخفيف.
ننتقل إلى حديث ركعتي الفجر، وقول أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها: (حتى أقول -في نفسي- أقرأ بأم الكتاب أم لا؟) ومعلوم أنه كان يقرأ، ولكن ليس بترسل ولا بتمهل، ولم يقرأ معها من طوال السور كما يقرأ في صلاة الليل.