قال رحمه الله: [وعن أبي رافع رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم استسلف من رجل بكرًا، فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره، فقال: لا أجد إلا خيارًا رباعيًا، فقال: أعطه إياه، فإن خيار الناس أحسنهم قضاء) ، رواه مسلم] .
المؤلف يأتي بعد حديث: (الرهن يركب بنفقته، والضرع يشرب بنفقته) ، وسيأتينا: (كل قرض جر نفعًا؛ فهو ربا) ؛ فالزيادة في الوفاء في الدين نفع: أقرضته ألفًا وردها ألفًا وصاعًا من تمر، هذا نفع أم لا؟ نفع.
والمؤلف هنا يعطينا صورة ليست من صور النفع الذي جره القرض، ولكن من صور مكارم الأخلاق في شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم، كما جاء عن عبد الله بن عمرو: (أمرني أن أجهز جيشًا؛ فكنت آخذ البعير بالبعيرين) .
وهنا: (استسلف) ، والهمز والسين والتاء للطلب، مثل: استغفر، استقدم، واستسلف: أي: طلب سلفة.
(بكرًا) ، البكر: البعير الصغير، ثم جاء الرجل في الموعد يطلب بكره، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا رافع بالقضاء من إبل الصدقة، فبحثوا فيها عن مماثل للقرض، وهو البكر نظير البكر، قال: لم أجد إلا خيارًا رباعيًا، والخيار يزيد عن البكر، وكان من حق المقاصة لو دفع إليه الرباعي أن يأخذ منه فرق الرباعي من البكر؛ بكرك الصغير لا يوجد عندي، وعندي ما يزيد عنه، كما لو وجد أقل من البكر ودفع له النقص، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم لما لم يجد النظير المعادل المطابق ووجد ما هو خير منه قال: (أعطه إياه، خيار الناس أحسنهم قضاء) ، إذًا: هذا من باب الإحسان، وليس من باب الربا، وليس مشروطًا في العقد من قبل؛ أنا أقرضك بكرًا لكن بشرط أن ترد لي أحسن منها.
إن جاء الشرط في البداية بهذا بطل العقد، لكن إن جاء عن طيب نفس المقترض فالجمهور يقولون: لا بأس.
وهنا يأتي النزاع في كون المقرض يقبل زيادة في الدين أو لا يقبل؟ فنجد الجمهور يقولون: إن كانت الزيادة جاءت من المقترض بعد سداد الدين؛ بأن كان الموعد في يوم واحد رجب، فسدد الدين، ثم سافر المقترض وجاء بهدية ودفعها للمقرض، وقد انتهى من السداد من عشرين يومًا يردها أم يأخذها؟ البعض يقول: لا يأخذها؛ لأنها امتداد لخيط القرض.
والبعض يقول: خيوط القرض انتهت بالدفع والسداد، وهذا شيء دفعه إليه عن طيب نفس منه، قدمه لمن أسدى إليه معروفًا فأكرمه، فنجد النزاع في هذا.
ومن أراد التحقيق فيها فليرجع إلى نيل الأوطار للشوكاني، فقد ساق نصوصًا عديدة في هذا.
لكن الجمهور يقولون: لا يقبل الزيادة عند السداد، وهل بعد السداد يقبل المكارمات؟ هذا محل النزاع.
مالك رحمه الله يقول: نعم؛ لحديث: (خيار الناس أحسنهم وفاء) ، وإذا كان الحسن في الوفاء ذاتي وليس خارجيًا، كالصورة التي معنا؛ الزيادة الموجودة في الرباع الخيار ذاتية، وكما يقولون: نماء متصل، ف مالك يقول: إن كان الحسن في ذات الدين فلا بأس، كما في قضية البكر والخيار، أما إذا أتى له ببكر ومعه عنز، العنز هذه زيادة خارجية، مالك يقول: لا، هذه خارجة عن الموضوع ولا يحق له أن يأخذها، ولو كانت الزيادة في الخيار الرباعي أكثر من العنز مرتين لا مانع؛ لأنه وصف للدين، وقد أحسن المقترض في سداد قرضه إلى من أقرضه.
وعلى هذا: من أقرض إنسانًا شيئًا ففي مدة القرض لا يحق له أن يقبل منه شيئًا، كما قيل: ولا عودًا من أراك، إلا إذا كان العهد بينهما قبل القرض تبادل الهدايا، يقبلها ويعوضه عنها، سواء قبل أن يسدد القرض في مناسبات تأتي أو بعد أن يسدد، وإذا انتهى القرض وسدد المدين دينه، ثم جاء المدين في مناسبة وقدم لمن كان أقرضه هدية، يقبلها أم لا؟ هناك من يقول: إنها من توابع القرض فلا يقبل، وهذا هو التورع.
وهناك من يقول: لا.
القرض انتهى، والدين سدد، وانقطعت العلاقة، وهذا جاء متبرعًا محسنًا، فلا ينبغي أن تردها.
وهذه النقطة نقول فيها: الله تعالى أعلم.
عند سداد الدين هل يقبل زيادة في القرض بعينه؟ الجمهور يقولون: لا، ومالك يقول: إن كانت الزيادة متصلة من عين المقرض أو القرض الذي قدمه فلا بأس، هذا بكر وهذا خيار رباعي، وإن كانت خارجة عنه من غير جنسه فلا يقبلها تطبيقًا للحديث في هذه القضية بالذات، والله تعالى أعلم.