وهنا نهى صلى الله عليه وسلم عن تلقي الركبان، والتلقي: هو الاستقبال، قال الله تعالى: {وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} [الأنبياء:103] ، والركبان: جمع راكب، والمراد: الجالب، سواء جاء على قدميه، أو جاء راكبًا بعيرًا أو فرسًا، وقد صار هذا الاسم علمًا على كل من يجلب إلى السوق؛ لأن الغالب أن الجالب يأتي من بعيد، وغالبًا يأتي راكبًا، أي: يركب ما يحمل عليه السلع، فنهى صلى الله عليه وسلم عن تلقي الركبان.
والركبان إما أن يكونوا قادمين من البادية، أو قادمين من بلد أخرى حاضرة للبيع في هذه البلدة؛ لاختلاف الأسعار، ولكثرة الحاجة، ولقلة السلعة، وهذه أمور تحكمها حالة الأسواق.
ولنفترض المسألة في البادية: فإذا جاء الجالب من البادية، فإنه سيأتي بإنتاج البادية، وإنتاج البادية إما أن يكون بهيمة الأنعام، وإما أن يكون نتاجها من ألبان، أو أصواف، أو جلود، ونحو ذلك، وإما حطبًا يحتطب من الجبال، ونتاج بهيمة الأنعام يكون سمنًا، ويكون أقطًا، كل هذا من إنتاج البادية، فإذا جاء البدوي بسلعة، ويريد أن يبيعها في المدينة، ويشتري بثمنها سلعًا أخرى من السوق، فهو أتى بسمن أو حطب أو جبن، فباع واشترى سكرًا، أو قماشًا، أو قهوة، أو هيلًا.
إلخ، وهذه هي العادة، فإذا قدم ركبٌ بسلع بدوية، فلا ينبغي لأحد من أهل السوق أن يخرج من السوق، أو يخرج من البلدة ويتلقاهم قبل أن يصلوا إلى السوق، وقبل أن يعرفوا الأسعار، فيساومهم على ما معهم؛ لأنه بتلقيه للركبان يقطع السلع عن أهل السوق.
ومن أين يكون التلقي؟ بعض العلماء يقول: يكون التلقي بمجرد خروجه من السوق، وبعضهم يقول: ميلًا، وبعضهم يقول: ميلين، وبعضهم يقول: أكثر، أو أقل، ولكن الأصل العام في ذلك: أن يتلقاه قبل أن يأتي ويلتقي بالناس، ويعرف الأسعار، وبعضهم يقول: التلقي من السوق إلى الطريق ليس فيه شيء؛ لأنه موجود، ولكن التلقي المنهى عنه فيما إذا كان خارج المدينة، فإذا خرج من المدينة، ولقي الركبان خارج المدينة، وساوم واشترى، فهذا هو المنهي عنه، ولكن إذا نظرنا إلى العلة، وهي قطع الاستفادة من السلعة عن أهل السوق، فيتفرد بالبادي، ويشتري منه وهو يجهل السعر، إذًا: سواء تلقاه خارج السوق، أو تلقاه خارج المدينة، فالعلة موجودة.
وهنا تتشعب المباحث: فلو أنه خرج وتلقى الراكب، واشترى منه، ثم جاء صاحب السلعة إلى السوق، ووجد أن الذي تلقاه قد غبنه، وأخفى عليه سعر السوق، فله الفسخ، وهو بالخيار، وإذا كان له الخيار فهنا مبحث للفقهاء، وهو: هل العقد الذي انعقد هناك أثناء التلقي سارٍ أو غير سارٍ؟ الجمهور يقولون: هو عقد سارٍ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أعطاه -أي: صاحب السلعة- الخيار، والخيار لا يكون إلا عن عقد ثابت، ولو لم يكن ثابتًا لقال: العقد فاسد.
وهل النهي عن تلقي الركبان شامل لكل صغير وكبير، ولكل زمان؟ بعض العلماء -وخاصة علماء الحديث- قالوا: في كل صغيرة وكبيرة، وفي كل زمن: خصب، أو جدب، وسواء كان الجالب عالمًا بأحوال السوق، أو ليس بعالم، وأخذوا الحديث على عمومه، والآخرون نظروا إلى العلة في النهي، والعلة في النهي هي: غبن البدوي فيما جلب من سلعة، فقالوا: إن كان قد جاء بسلعته، يريد أن بيعها في يومه، وهو لا يعلم الأسعار، ففي مثل هذا يكون النهي، وهذا بخلاف المتردد على السوق الذي يعرف الأسعار، والأسعار من يوم إلى يوم لا تختلف كثيرًا، فإذا كان خبيرًا بأمر السوق، فلا محظور في ذلك، إن كان قد نوى بيعها في يومه.
إذًا: الشرط الأول في تحقق النهي: أن يكون الجالب لا يعرف أسعار السوق، الثاني: أن يكون الجالب جلبها ليبيعها في يومها.
ويقول بعض العلماء أيضًا: أن تكون بالناس حاجة إلى تلك السلعة.
والبعض الآخر يقول: سواء كانت هناك حاجة للسلعة، أو لم تكن، والذي يهمنا هو الجالب، فإذا كان الجالب جلبها ليبيعها في يومه، وكان لا يعلم الأسعار، فتلقاه إنسان واشتراها منه، ثم جاء إلى السوق فوجد أنه قد غبن، فله الحق في فسخ البيع؛ لأن المشتري قد غبنه وخدعه.
وكون الناس في حاجة إليها، أو ليسوا في حاجة إليها، هذا يشترطه البعض، وينفيه البعض الآخر، ويقول الإمام أبو حنيفة رحمه الله: أو إذا تلقاه وباع له وهو لا يعلم فلا مانع؛ لأنه نصح، لكن إذا كان سيشتري منه فأين النصح؟ النصح يأتي عند (لا يبع حاضر لباد) ، وسيأتي تفصيله إن شاء الله.
وهناك من يقول: يجب أن نراعي أصحاب السوق؛ لأنه إذا تلقى الركبان، وأخذ السلعة من هناك، والناس في السوق ينتظرون مجيء الجلب، وهذا قد سبقهم إلى الجلب وحاز السلعة، ففيه مضرة على المستهلك، وعلى أهل السوق، وقد جاء في الحديث: (أحب لأخيك ما تحب لنفسك) .
إذًا: مبدئيًا نهى صلى الله عليه وسلم عن تلقي الركبان.
ونظير هذا أيضًا: لو أن شخصًا ذهب وحمل سيارة كبيرة -كهذه التي يسمونها (سكس) - بالأسمنت والشعير، وبالسلع التي يحتاجها أهل البلد، وهو لا يعلم أسعار المدينة، فذهب إنسان إلى (الفريش) وتلقاه، وتبايع معه على حمولة السيارة وغبنه، فباعه، ثم جاء إلى السوق فوجد نفسه قد غبن، لا سيما -كما يذكر الفقهاء- إذا قام المتلقي بالخداع، كأن يقول له: المدينة مليئة بهذه السلع، والناس غير محتاجين إلى هذا، لكن سآخذ منك هذه السلع وأجعلها عندي، ومن ثم أصرفها على مهل، أما أنت فإن جئت إلى السوق فستجد عشرات السيارات كسيارتك، وستجد المستودعات مليئة، ولكن أنا أستطيع تدبيرها، مع أن المدينة ليس فيها ولا سيارة واحدة، ولا شيء من هذه السلع، فيكون قد غره وغشه، وحمسه إلى البيع مخافة ألا يجد من يشتري؛ لأن السوق يقوم على العرض والطلب، فإذا كان العرض كثيرًا والطلب قليلًا نزلت السلعة، وإذا كان العكس ارتفعت السلعة.
فقالوا: إذا كان قد خدع المتلقي الجالب، وهوّن عليه أمر سلعته، وهوّن عليه أسعار السوق، سواء كان باديًا أو حاضرًا، فكل ذلك داخل في هذا النهي؛ لأن الغرض وراء ذلك كله هو أكل أموال الناس بالباطل.