فهرس الكتاب

الصفحة 2143 من 2523

شرح حديث: قاعدة مد عجوة ودرهم

قال رحمه الله: [وعن فضالة بن عبيد رضي الله عنه قال: (اشتريت يوم خيبر قلادة باثني عشر دينارًا، فيها ذهب وخرز، ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارًا، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: لا تباع حتى تفصل) رواه مسلم] .

هذا من المبيعات المتداخلة، كما يوجد الآن عند الصاغة بعض الحلي مرصع بالأحجار الكريمة التي لها قيمة مستقلة، وغالبًا تكون أغلى من الذهب، ولكن الذهب إذا بيع بذهب كان جنسًا بجنس، والذهب يباع، وزنًا بوزن، والأحجار الموجودة معه ستدخل في الميزان، فيكون ذهب بذهب وزيادة أحجار، لكن ينبغي أن نعرف مقدار الذهب الموجود في قطعة الحلي التي معها أحجار كريمة حتى نقول: إن هذه القطعة فيها ذهب عشرون جرامًا، وفيها أحجار كريمة عشرة جرامات فيكون الذهب بالذهب عشرين جرامًا، وقيمة الأحجار الكريمة نفصلها جانبًا إن بيعت بجنسها ذهب.

وهناك من يفصل في الأحجار الكريمة مع الذهب ويقول: ننظر أيهما أصل وأيهما تبع، قد يكون الأصل هو الجوهرة من الأحجار الكريمة مثل الياقوت، والزمرد، والماس، وهو أغلى أنواع الأحجار الكريمة، وأشدها صلابة، والفيروز، فهذه الأحجار الكريمة قد تحلى بالذهب، فيجعل لها إطار من ذهب، ويجعل عليها نقوش من ذهب، ويجعل فيها حفريات وتملأ بالذهب، إذًا: يكون الحجر الكريم هو الأصل، والذهب هو تبع.

وقد يكون الذهب هو الأصل، سوار من ذهب ورصع في بعض أطرافه أو جهاته بأحجار كريمة من الماس أو من غيرها، فهناك من يقول: ننظر إذا كان الذهب تبعًا للحجر الكريم، واشترينا الحجر الكريم بذهب فلا عبرة بالذهب التابع في هذا الحجر؛ لأنه غير مقصود لذاته، وغالبًا يكون طفيفًا، أما إذا كان العكس وكان السوار مثلًا ربع كيلو، والأحجار الكريمة فيه مثلًا خمسة عشر جرامًا، فهذه نسبة قليلة جدًا، إذًا: الأحجار تبع للذهب، فلا بد أن نعامل الذهب الموجود الذي هو الأصل في تلك السلعة معاملة الذهب بالذهب.

ومالك رحمه الله وضح متى تكون الأحجار هي الأصل، ومتى يكون الذهب هو الأصل، فقال: ما كان حده الثلث فأقل، فهو تبع، وما كان الثلثان فأكثر فهو الأصل، وهذا حد تقريبي، فمثلًا حجر كريم محلى بالذهب وزنه مائة جرام، فيه من الذهب عشرة أو عشرون جرامًا، فهل بلغ الثلث؟ لا، فهنا عند مالك الذهب تبع وإذا كان العكس، قطعة الحلي وزنها خمسمائة جرام، والأحجار الكريمة التي فيها عشرة أو خمسة عشر جرامًا، إذًا: مالك يحد حدًا بين ما هو تبع، وما هو أصل؛ أو ما هو أكثر وما هو أقل بالثلث، فما كان الثلث فدون فهو تابع ويعتبر أقل، وما كان أكثر من الثلث فهو أكثر، وهو المقصود بالعقد في البيع والشراء، فإذا كان على سبيل التساوي، فما الحكم؟ إلى عهد قريب كانت تصاغ الدنانير في السوار، أسورة وتحاط بالجنيهات وتعلق حولها، يكون سوار ومعه عشرون أو ثلاثون دينارًا ذهبيًا، فإذا كان مع تلك الدنانير أحجار كريمة، وتساوى قدر الدنانير مع الأحجار وبيعت بذهب، فهنا لا نستطيع أن نعرف مقدار الذهب الموجود في القلادة إلا إذا فصلنا ونزعنا عنه الحجارة، فحينئذٍ نستطيع أن نقول: وزنًا بوزن، ولكن الآن لو تأتي إلى الصائغ وعنده القلادة أو الأسورة وفيها الأحجار الكريمة، وتقول له: أفصل هذه الأحجار، وزن الذهب بالذهب! لن يوافق؛ لأن هذا يفسد عليه الصنعة، فلا تشتر بالذهب، واشتر بالفضة، وغالب الصاغة يكون عندهم بيان أن هذه القطعة من الحلي يوجد فيها من تلك الأحجار ما وزنه كذا، ويكون قد عرف وزن تلك الأحجار قبل أن يدخلها بالصنعة في هذا السوار، وتقول: يا أخي! أنا أبغى ذهبًا بذهب، مثلًا بمثل، فيقول: مرحبًا، هذه وزنها خمسمائة جرام، وفيها من الأحجار مائة وخمسون جرامًا، إذًا: عرفنا وزن الذهب من وزن الأحجار، فنتعامل مع الذهب الموجود في هذه القلادة على ما عرفنا من وزنه، ولا يبيع بصفة عامة ويقول: والله! ما أدري كم فيها من أحجار؟ ما أدري كم وزن الذهب الذي فيها؟ فكيف يبيع الذهب مثلًا بمثل والحجارة موجودة في القلادة؟! فخروجًا من هذا كله نشتري تلك القلادة الموجود فيها ذهب وحجارة، أو فيها ذهب وفضة، أو فيها ذهب ونحاس، أو على حسب الصنعة؛ نشتريها بالفضة؛ لأنه يجوز التفاضل بين الفضة والذهب، جرام ذهب تأخذه بعشرة جرامات فضة لا يوجد مانع، إذًا: إذا اشترينا بغير جنس الذهب -أيًا كان- خرجنا من المحظور.

وقوله عليه الصلاة والسلام: (لا تباع حتى تفصل) لماذا؟ لنعرف مقدار الذهب فيها؛ لأنه اشتراها باثنى عشر دينارًا، والدينار معروف في ذلك الوقت، لم يختلف وزنه، الدينار والمثقال اسمان على مسمى واحد، المثقال وحدة وزنية، فالدينار وحدة نقدية، أما الدرهم فوحدة وزنية ونقدية، تقول: هذا وزنه درهم، وتقول: هذا قيمته درهم، وإلى الآن بعض الدول تستعمل الدينار على أنه وحدة نقدية، وكذا الدرهم، مثل الدرهم المغربي، والدرهم في الخليج، إلى غير ذلك.

إذًا: لما اشتراها بذهب وجد فيها ذهبًا أكثر من الثمن الذي دفع، فيكون أخذ ذهبًا بذهب متفاضلًا.

وما سبب وجود التفاضل؟ وجود الأحجار في السلعة، وما عرفنا كم وزن الذهب في تلك الحلية.

إذًا: لكي نعرف مقدار الذهب، نفصل عنها الحجارة الكريمة إذا أمكن، فإذا لم يمكن، أو كان الصانع بنفسه أو التاجر لا يوافق على الفصل، فلا نقول: افصلوا هذا من هذا، ثم ارجعوه وركبوه، بل لا نجعل الثمن ذهبًا لوجود الذهب، ونجعل الثمن فضة، ومهما زادت الفضة أو نقصت عن الذهب فلا محظور في ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت