بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه.
وبعد: قال المصنف رحمه الله: [عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على عهده ينتظرون العشاء حتى تخفق رءوسهم ثم يصلون ولا يتوضئون) أخرجه أبو داود، وصححه الدارقطني، وأصله في مسلم.
نأتي إلى المسألة الأولى التي صدر بها المؤلف هذا الباب: (كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرون العشاء حتى تخفق رءوسهم) .
الخفق: هو ميلان الرأس على الصدر في أول النعاس، فإذا كان الإنسان جالسًا ثم أتاه النعاس فإنه يخفق برأسه ويميل، فإذا مال رأسه ينتبه حالًا، وهذه هي حالة أوائل النعاس، وفي أصل الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في بعض الليالي متأخرًا في ثلث الليل، وقد نام ونعس بعضهم، وأخذت رءوس بعضهم تخفق، وهذه الألفاظ جاءت في حديث ابن عباس في خروج النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة وفيه أنه قال: (إنه لوقتها لولا أن أشق عليكم، إنه لا يوجد أحد على وجه الأرض مثلكم) أي: أنكم على طهارة وتنتظرون الصلاة ولا يوجد على وجه الأرض من ينتظر الصلاة مثلكم، فكان في هذا تسلية لهم عن تأخير الصلاة، وبيانًا منه صلى الله عليه وسلم أن الأفضل في وقتها التأخير، ولكنه قال: (لولا أن أشق) ، فرفع المشقة هو الذي جعل التبكير بصلاة العشاء.
وفي مسألة النوم نجد كما يقول الشراح ومنهم ابن حجر والنووي كما في شرح مسلم، ونقل ذلك عنه الشوكاني يقولون: في هذه المسألة ثمانية أقوال: فهناك من يقول: مطلق النوم ناقض، وهذا مبني على أن النوم بذاته حدث، وصاحب هذا القول كـ الحسن البصري ومن وافقه لا يراعي أي حالة ولا صفة للإنسان عند نومه، لا قليلًا ولا كثيرًا، مطلق النوم عندهم إذا خامر رأس الإنسان فقد انتقض وضوءه، وعليه أن يتوضأ؛ واستُدل على ذلك بإجماع المسلمين على أن غيبة العقل بسكر أو بمخدر أو بإغماء أو بأي سبب من الأسباب فإنه يتوضأ صاحبه بجميع الأقوال، ولا يخالف في ذلك أحد؛ لأن العقل يغيب عن الحس والإدراك، فقالوا: وكذلك النوم، فإن النوم يجعل صاحبه غائبًا عن الحس.
القول الثاني: مقابل لهذا: وهو أن النوم بذاته ليس حدثًا، وإنما هو مظنة الحدث، كما سيأتي الحديث في ذلك، وكان من الأنسب أن يقدمه المؤلف هنا، وإنما أخره إلى ما قبل آخر الباب بحديث واحد، وهو حديث معاوية وعلي مرفوعًا: (العين وكاء السه -والسه: اسم لحلقة الدبر- فإذا نامت العينان استطلق الوكاء) يعني: أن الإنسان ما دام مستيقظًا فالسه مربوط، والوكاء هو: الرباط، ووكاء القربة هو الذي يربطها حتى لا يتدفق الماء منها، فكذلك العين هي وكاء السه، وإذا نامت العينان استطلق الوكاء، فيخرج ما في تلك القربة وهو لا يشعر.
إذًا: من منطوق هذا الحديث: (العين وكاء السه) ، وأحاديث أخرى، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الوضوء على من نام مضطجعًا) ذكروا في هذه المسألة عدة أقوال: القول الأول: مطلق النوم ينقض، وهذا على أن النوم ناقض بذاته.
والقول الثاني: قول الجمهور: وهو أن النوم بذاته ليس ناقضًا، وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم كما في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:(صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم الوتر، ثم اضطجع ونام، ثم جاء المنادي لصلاة الصبح، فقام وصلى الصبح ولم يتوضأ.
فقلت له: يا رسول الله! أتصلي وقد نمت؟! فقال: يا عائشة! تنام عيناي ولا ينام قلبي)فعلى هذا إذا استطلق وكاء فهناك وكاء آخر؛ لأن القلب يقظان في حقه صلى الله عليه وسلم، فلو أنه اعتبر النوم بذاته حدثًا لكان عليه أن يتوضأ، ولكنه اعتبر أن النوم بذاته ليس ناقضًا، وأنه يقظ بقلبه، فلو كان قد حدث حدث أثناء نومه لشعر به؛ كما جاء في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قصة مبيته عند خالته ميمونة، قال: (فقام صلى الله عليه وسلم من جوف الليل فتوضأ فصلى) يعني: بأنه نام وأدرك بأنه أحدث فقام وتوضأ وصلى.
وعلى هذا: إذا كان النوم هو مظنة الحدث فأي أنواع النوم هو المقصود؟ فيه ثمانية أقوال -كما ذكرها الشوكاني وذكرها قبله النووي في شرح مسلم- وكلها تدور حول نقطة واحدة، وهي: تحقيق المناط في أنه قد حصل نوم فعلًا.
فهناك من يقول: من نعس -والنعاس أوائل النوم- وهو جالس فلا وضوء عليه؛ لأن جلوسه يجعله متمكنًا ولا يخرج منه شيء إلا إذا شعر به.
وهناك من يقول: إن من نام مضطجعًا واتكأ على جنبه وتمدد فعليه الوضوء؛ لأنه إذا نام متمددًا مضطجعًا فليس هناك ما يمنع خروج شيء من مخرجه؛ لأن الحال أنه نائم.
وهناك من يقول: من نام في الصلاة فلا وضوء عليه؛ لما جاء في بعض الآثار: (إن العبد إذا نام وهو ساجد يقول الله تعالى لملائكته: انظروا عبدي، روحه عندي وجسده بين يدي) فقالوا: (نام وهو ساجد) ، أثبت له النوم وهو ساجد وأثبت له صحة السجود.
وكذلك إذا نام وهو راكع، أو نام وهو جالس يتشهد، أو نام وهو قائم يقرأ، قالوا: كل نوم في الصلاة لا ينقض الوضوء ولماذا لا ينقض؟ قالوا: لأن النوم يكون خفيفًا، فإذا كان النوم ثقيلًا خرج عن هذه الصورة، ولذا عند مالك رحمه الله: أن الإنسان إذا نعس وهو قائم أو راكع فإنه لا ينتقض وضوءه، وأما إذا نعس وهو ساجد فينتقض.
وما الفرق بين السجود والركوع؟ قال: إن نام الإنسان وهو راكع فيحتاج إلى إدراك وإحساس يحفظ به توازنه، وأما إذا كان ساجدًا فهو يسجد على أربعة أطراف، ومهما أخذه النوم وأغرق فيه فإنه لن يسقط؛ لأنه متمكن على أربعة أطراف.
إذًا: النوم في الركوع لا يكون ناقضًا لخفته، والنوم في السجود يكون ناقضًا لتمكن صاحبه من عدم السقوط، وكل ذلك راجع إلى تحقيق المناط في حصول النوم.
وقد جاء عن أبي موسى الأشعري أنه صلى الظهر ونام، وأصحابه حوله إلى أن أُذن للعصر فأيقظوه، فسألهم: هل سمعتم شيئًا؟ قالوا: لا، قال: أشممتم ريحًا؟ قالوا: لا، فقام فصلى؛ وهذا بناء على أن العين وكاء السه، وأن هناك حراسًا، فلما لم يسمعوا شيئًا ولم يشموا ريحًا تأكد بأنه لم يحدث في نومه وإلا لأخبره أصحابه بذلك.
وعلى كل فتلك الأقوال الثمانية بالصور المختلفة في حقيقة النوم إنما ترجع إلى تحقيق المناط في أن النائم قد استغرق في النوم، بحيث لو خرج منه شيء لم يشعر به، إلا صورة واحدة عند الشافعي وهي: ما لو جلس ممكنًا مقعدته من الأرض بحيث لا تسمح بخروج شيء، ولو استغرق في النوم ورأى المنامات فإنه لا ينتقض وضوءه.
إذًا: هل النوم من حيث هو ناقض بذاته أو أنه مظنة حدوث الناقض؟ الحسن ومن وافقه قالوا: هو ناقض بذاته؛ بناءً على أن زوال العقل بالأسباب الأخرى ناقض إجماعًا، والجمهور على أن النوم بذاته ليس ناقضًا، وإنما هو مظنة حدوث الحدث الذي ينقض الوضوء، ومتى يكون مظنة ذلك؟ يرجع هذا إلى تحقيق المناط في أنه نام إلى الحد الذي لو خرج منه ريح لم يشعر به، وهذا أيضًا هو رأي الجمهور.
والله تعالى أعلم.