فهرس الكتاب

الصفحة 191 من 2523

والذي يهمنا في هذه الرواية: أنه صلى الله عليه وسلم قبلها وهو خارج إلى المسجد، ولم يتوضأ، وصلى بالوضوء الذي كان عليه قبل أن يقبلها، وهذا الحديث هو أصل الأحاديث النبوية في قضية الوضوء من لمس المرأة أو عدم الوضوء منه.

وهناك أحاديث أخرى نرى المؤلف قد أعرض عنها، وإذا نظرنا إلى الأصل: فإنه إذا توضأ الإنسان وثبت الوضوء فهو يستصحب الأصل، وما كان ناقضًا فهو خلاف الأصل؛ إذًا: الأصل في المتوضئ أن يبقى على وضوئه حتى يأتي ما يبطل هذا الوضوء، ولكن المؤلف ساق هذا الحديث من أجل أن يبين أن من قال: في تقبيل المرأة الوضوء، مستنده على هذا الحديث، والقضية من حيث هي من المسائل التي يمكن أن يعتبرها طالب العلم نموذجًا لخلاف الأئمة الأربعة، وهذه المسألة لها أصل في كتاب الله وذلك في قوله سبحانه: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء:43] فهذه الآية الكريمة ربطت مجيء الأحد من الغائط بملامسة النساء، والغائط في اللغة هو: المكان المنخفض، وسمي قضاء الحاجة باسم المكان؛ لأن الغالب في حق من أرد قضاء حاجته في الخلاء أنه لا يطلب مكانًا بارزًا يكون كالنار على علم، بل يطلب مكانًا منخفضًا حتى لا يراه أحد، فسمي الآتي من الغائط كناية عن أنه قضاء حاجته هناك، فأصبح الغائط حقيقة عرفية لا لغوية في من يقضي حاجته بغائط أو بول، حتى الخارج من أحد السبيلين يسمى غائطًا، باسم المكان الذي يُقضى فيه.

وقوله تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء:43] قالوا: ملامسة النساء مقترنة بالمجيء من الغائط، والمجيء من الغائط كناية عن قضاء حاجة الإنسان، وقضاء حاجة الإنسان فيها الوضوء بالإجماع، فيكون (( لامستم النساء ) )فيها الوضوء كالغائط.

وهنا يقع الخلاف في المراد بـ (لامستم) فمن قائل: هو مجرد التقاء البشرة بالبشرة، ومن قائل: إن الملامسة هي: كناية عن الجماع، وكما كني عن الخارج من الجسم بمكانه كني عن الجماع بالملامسة، كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: (إن الله حيي كريم يكني ولا يسمي) .

وقد جاء في الآية: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ} [البقرة:187] ، وفي الآية الأخرى: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ} [البقرة:197] والرفث في الحج: كلام باللسان ويتناول أيضًا الجماع ويفسد الحج، ومثله في قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ} [البقرة:187] فهو أي: الرفث المداعبة والملامسة وكذلك يراد به الوطء الذي كان ممنوعًا.

إذًا: (لامس) هناك من يقول: إن لامس (فاعل) من طرفين، كما تقول: قابل زيد عمرًا، وزاحم زيد عمرًا، فتكون هذه المادة مفاعلة من طرفين لا من طرف واحد، فيكون المراد بها الجماع، وتكون الآية شملت المريض والمسافر والذي جاء من الغائط والذي كان به جنابة ولم يجد ماءً أن يتيمم.

والآخرون قالوا: إن (لامس) بمعنى اللمس.

والملامسة هنا تكون بمجرد لمس البشرة لوجود قراءة أخرى سبعية: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لمَسْتُمُ} [النساء:43] فقالوا: القراءتان سبعيتان صحيحتان، وتفسر إحداهما الأخرى، فـ (لامستم) التي تدل على المشاركة تفسرها (لمستم) التي ليس فيها مشاركة، كما يقال: لمست الجدار، أو لمست الدابة، أو لمست الكتاب، ويكون هذا من جانب واحد.

إذًا: المسألة مبناها من الكتاب على الاختلاف في مدلول (لامس) أو (لمس) ، وعندنا في كتاب"رفع الملام عن الأئمة الأعلام"لـ ابن تيمية رحمه الله؛ كتاب لا أعتقد أنه وجد في موضوعه ولا في بابه نظيره أبدًا، ذكر أسباب الخلاف بين الأئمة، والخلاف الذي لا ينبغي أبدًا الاعتراض عليه لوجود أسبابه شرعًا وذكر عشرة أسباب منها: الاختلاف في فهم النص، أو بلوغ النص لمن لم يبلغه، أو صحة النص عند شخص وعدم صحته عند غيره، أو سلامته من معارضة أو عدم معارضته.

إلخ، وهنا وقع الاختلاف في فهم (لامستم) ، وقد بحث هذه المسألة ابن عبد البر رحمه الله في الاستذكار وأطال فيها، ونقل الآثار عنه صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة وعن التابعين وعمن قال بذلك.

ونأتي إلى المسألة كتطبيق علمي شرعي لمسألة اختلف فيها الأئمة لنرى المنهج السليم في تحقيق مسائل الخلاف، والنتيجة بترجيح ما صح ترجيحه.

فنأخذ المسألة من جهة الأئمة رحمهم الله، ونتتبع في ذلك (أقوالهم) : نجد الشافعي رحمه الله يقول: (لامستم) بمعنى لمس، كما في قوله تعالى: {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ} [الجن:8] ، وفي قوله تعالى: {مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ} [البقرة:237] جاءت (مس) بمعنى الجماع، وجاءت (لمس) بمعنى المقاربة أو الملاقاة، فهنا جاءت (لمس) و (لامس) وكل منهما في مكانها، فيقول الشافعي رحمه الله: مجرد التقاء بشرة رجل بامرأة بأي حالة أو على أي كيفية ذاكرًا أو ناسيًا أو قصدًا أو بدون قصد، حدثت شهوة أو لم تحدث، والمراد بملامسة البشرة للبشرة سواء بكف اليد أو بظهرها، بالذراع أو بالفخذ أو بالقدم، أي مطلق لمس الرجل للمرأة يكون ناقضًا، هذا قول الشافعي.

نجد في مقابل هذا القول: ما جاء عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله أنه قال: إذا وقع لمس الفرج بالفرج وليس هناك إيلاج كان فيه الوضوء، وما عدا ذلك من قبلة أو لمس أو جس بشهوة أو بغير شهوة فلا وضوء فيه.

إذًا نستطيع أن نقول: الإمام أبو حنيفة رحمه الله يقول: كل لمس بأي صفة لا وضوء فيه، وهذا القول مقابل لقول الشافعي رحمهما الله، فهذا يقول: مطلق اللمس ناقض، وهذا يقول: كل اللمس ليس بناقض، وأعتقد أنه خلاف قوي.

وأما مالك وأحمد رحمهما الله: فاتخذا طريقًا وسطًا وقالا: اللمس الذي يكون ناقضًا هو اللمس بشهوة، واللمس العادي العابر عمدًا أو سهوًا هذا ليس فيه شيء وليس بناقض.

إذًا: هذا القول وسط بين قول من ذهب في طرف الإيجاب ومن ذهب في طرف المنع.

والخلاصة: أن عندنا في المسألة ثلاثة أقوال: قول بالإيجاب مطلقًا، وقول بالمنع مطلقًا، وقول بالوسط، والقول الوسط تحقيقه عند المالكية والحنابلة: إن قصد اللذة ولو لم يجدها، أو لم يقصد اللذة ولكن وجدها، فهذا هو الناقض عندهم.

بم استدل الشافعي رحمه الله؟ وبم استدل أبو حنيفة رحمه الله؟ وبم يجيب كل منهما على دليل الآخر لأنه مناقض لقوله؟ وما هو موقف الإمامين مالك وأحمد بين الطرفين؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت