وهنا أسرع صلى الله عليه وسلم في هذا الوادي، فلما انتهى منه وجاء إلى العدوة الثانية صار في حيز منى، ولما جاء إلى منى، أول ما فعله أنه أتى إلى الجمرة حالًا، ولم يذهب إلى منزله، ولهذا يقولون: إن تحية منى: هو المبادرة إلى رمي جمرة العقبة، فرماها بسبع حصيات من بطن الوادي.
وفي بعض الآثار أنه صلى الله عليه وسلم قال للعباس في المزدلفة: (التقط لي سبع حصيات) فأخذ معه سبع حصيات من المزدلفة، وهذا يدل على أن الحاج لابد أن يكون متأهبًا للعمل الذي أمامه وهو رمي جمرة العقبة، حتى إذا وصلها شرع في رميها، ولا يذهب ينادي ويقول: ابحثوا لي عن حصى، بل عليه أن يكون متأهبًا.
وهنا فكرة طرأت على ذهني في هذا الموقف وهي أن الله سبحانه وتعالى لما امتن على المسلمين بالوقوف بعرفة، وغفر لهم وحط عنهم أثقالهم، وفك عنهم قيودهم التي كبلهم بها الشيطان؛ لأن الشيطان قال: {لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ} [الإسراء:62] فالشيطان قد توعد الأمة بين يدي الله أنه سيأتي بحبل ويضعه في حنكهم ويسحبهم كما يسحب الإنسان الدابة، وفعلًا كثير من الناس ينقاد له كذلك، فكان الإنسان يقترف في حياته خطيئة مع أخرى حتى صارت كالجبال فوق ظهره، وصار مثقلًا ومقيدًا يقاد بمقود كالبعير، ولما كان يوم عرفات غفر سبحانه وتعالى له خطاياه وأزال عنه قيوده، فكيف سيكون حاله بعد هذا؟ سيكون على أمرين: الأول: الخفة، والثاني: استشعار النصرة من الله على عدوه، ولهذا ما رؤي الشيطان أصغر ولا أذل ولا أحقر منه من يوم عرفة؛ لما يرى من تنزل الرحمات، ولما يرى من أن الله قد غفر للجميع فينادي بالويل والثبور؛ لأنه طول عمره وهو يسعى وراء هؤلاء لإضلالهم، فإذا به في لحظة واحدة قد بطل مسعاه، وضاع كل جهده مع هذه الملايين التي جاءت ووقفت في الموقف، فيتأسف على ذلك، فإذا ما جاء الحاج إلى المزدلفة أخذ قسطًا من الراحة، والاستحمام، ثم ذهب ليصفي حسابه مع الشيطان -كما يقولون- لأن الشيطان كان معلنًا عليه الحرب، وكان مستأسره، وكان مستضعفه، وقد فعل به ما شاء، فهو الآن جاء ليصفي حسابه مع الشيطان، وكأنه سيدخل معركة مع الشيطان، فيتزود من المزدلفة بالسلاح الذي سيعلن به الحرب على الشيطان، والذي يذهب إلى المعركة لابد أن يتزود بالذخيرة قبل أن يأتيها، ولهذا حين أن يأتي ليرمي الجمرة، يقول: (باسم الله، الله أكبر إرغامًا للشيطان وإرضاءً للرحمان) ؛ لأنه بعد أن كان أسيرًا للشيطان قد أطلق من أسره، وأصبح في موقف القوة، يعلن الحرب على عدوه، وهاهو يرمز -ورمي الجمرات ما هو إلا رمز، لا كما يظن الجهال أن الشيطان أمامه- إلى أنه قد انتهى من عدوه وبدأ معه طورًا جديدًا، ومن أعلن الحرب على عدوه فلا يغفل عنه أو ينام، بل يكون أشد حرصًا من ذي قبل.
فهنا صلى الله عليه وسلم أخذ الحصى من المزدلفة، ويقول العلماء: من شاء اكتفى بسبع حصيات من المزدلفة، ثم يأخذ بقية الحصيات لبقية الأيام من منى، بشرط أن لا يلتقطها من مسجد، ولا يلتقطها من المرمى؛ لأنه قد أدى بها الواجب إنسان قبل، فأنت إذا أخذتها بعده فهو بمثابة الماء المستعمل في الوضوء لا يتوضأ به مرة أخرى.
إذًا: من شاء أخذ الحصى من مزدلفة، ومن شاء أخذ سبعًا من مزدلفة والتقط الباقي من طريقه أو من منى، وقد بين صلى الله عليه وسلم مقدار الحصاة كما جاء هنا: (كحصى الخذف) وحصى الخذف هي: الحصاة التي مثل حبة الفولة تقريبًا ويمكن أن تضعها بين أصبعين وتخذف بها، مثل (النبّيلة) فتذهب إلى مسافة بعيدة، ولا ينبغي أن تكون كبيرة مثل الليمونة، ولا أن تكون صغيرة مثل حبة القمح؛ لأن هذه الصغيرة لا يعتبر الرمي بها، والكبيرة إذا أصابت إنسانًا عند الحوض فإنها تؤذية، وليست المسألة مسألة إيجاع ولا تحطيم، ولا اعتداء، وإنما هي عبارة عن رمز.