قال: (ومن كل حالم دينارًا أو عدله معافريًا) .
مما أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم، وكلف معاذًا أن يحصله: (على كل حالم دينار -في السنة- أو عدل ذلك معافريًا) ، والمعافري: ثياب تنسب إلى بلدة معافر، وهي معروفة في اليمن، كانت مشهورة ببعض الثياب في الجودة.
والحالم: هو الذي بلغ سن الحلم، سواء احتلم أو لم يحتلم، كما جاء عنه صلى الله عليه وسلم: (لا يقبل الله صلاة حائض بغير خمار) فالحائض: الفتاة التي بلغت سن الحيض سواء أتاها الحيض أو تأخر عنها، أي: من بلغ سن التكليف، إذًا: ما دون ذلك من الأطفال والصبيان لا شيء عليه، وكذلك النساء.
فقوله: (على كل حالم) أي: محتلم بلغ سن التكليف في الإسلام ولم يكن أسلم، فعليه في الجزية سنويًا دينار أو عدل ذلك الدينار ثياب من هذا النوع المعروف المشهور بالمعافري.
وهنا نفهم من هذا الحديث أن معاذًا رضي الله تعالى عنه لما أتى إلى اليمن -وهم أهل كتاب- أن البعض استجاب له فأسلم وصلى وصام وزكى، والبعض بقي على ما كان عليه في اليهودية، ومن بقي على دينه فإن الإسلام يقره على ذلك مع دفع الجزية سنويًا، قال تعالى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة:29] .
قالوا: (( عن يد ) ): إن كل إنسان لزمته الجزية يذهب بها بشخصه ولو كان أمير قومه، ويدفعها للعامل يدًا بيد، لا أن يبعث بها خادمه أو جاره أو ولده فلابد أن يرى تلك الصورة، لعله فيما بعد يشمئز منها، أو يتثاقل منها ويرى أن الإسلام عزة له فيرجع إلى الإسلام.
فـ معاذ رضي الله تعالى عنه كان أميرًا وقاضيًا، وكان مزكيًا وجابيًا للجزية، وفي هذا الحديث مجال للعلماء في أخذ العروض في الزكاة، ولفظ هذا الحديث قد اختلف فيه، لما قيل لـ معاذ: (خذ من كل حالم دينارًا -أي: جزية- أو عدل ذلك ثيابًا) عروض، فتوسع بعض العلماء وقال: يمكن أن يؤخذ في الجزية أي قيمة للدينار، فالحد الرسمي دينار، فإذا رأى الجابي المصلحة في غير الدراهم تخفيفًا على أهل الجزية، أو مصلحة للمسلمين الذين ستوزع عليهم تلك الأموال، فلا مانع.