وقضية أن الثمرة أو الشجرة إذا أُبرت فثمرتها للبائع قضية معروفة في المدينة قبل الإسلام بسنين، كما يذكر علماء التاريخ والأدب: أن بعض التبباعة جاء من اليمن في طريقه إلى أفريقيا، فمر بالمدينة، فاستطاب جوها، فترك ولده ملكًا عليهًا ليرجع ويأتي بأهله ليسكنوها، وفي أثناء غيبة الملك في ذهابه إلى أفريقيا رجع فوجد ولده مقتولًا، لماذا؟ لأن ولده جاء إلى نخلة مثمرة، وطلع وجذ ثمارها، فجاء صاحبها وضربه بالمنجل على رأسه وقال: إنما الثمر لمن أبَّر.
ليس لإنسان لم يؤبر ولا دخل له أن يعتدي عليها، وكان من شأنه أنه لما وجد ولده مقتولًا حاصر المدينة، وأخذ يقاتلها ويقاتلونه، إلى أن طال الحصار فطال عليهم الزمن ونفد زادهم، فقال أهل المدينة فيما بينهم -لتعلموا حال أهل المدينة قديمًا-: ليس من الإنصاف أن نقاتل قومًا جياعًا نفد طعامهم، ونحن نأوي إلى بيوتنا ونسائنا نستريح ونتغذى، ثم نصبحهم بالقتال وهم جياع.
قالوا: ماذا نفعل؟! هم المعتدون، ليرحلوا، ما رحلوا، قالوا: إذا لم يرحلوا نقدم لهم العشاء، فإذا بالملك يقول: واعجبًا لأهل هذه القرية!! نقاتلهم نهارًا ويقروننا ليلًا! فخرج عليه حبران من أحبار اليهود بالمدينة وسألاه: ماذا تريد من هذا الحصار الطويل؟ قال: أستأصل أهلها الذين قتلوا ولدي.
قالوا: لا تتعب نفسك، لن تسلط عليها.
قال: ولماذا؟ قال: إنها مهاجر آخر نبي يأتي من الحرم.
إلى آخر القصة.
والذي يهمنا أن الثمر لمن أبر، ويأتي الحديث: (من باع نخلًا قد أُبرت، فإن الثمرة للبائع ما لم يشترط المبتاع) ، وعلى هذا: فلو أن إنسانًا أبر نخله، ثم جاء بعد التأبير وباع البستان، الثمرة التي في النخل المبيع تكون للبائع، إلا إذا اشترط المشتري أن الثمرة تابعة، ولو أن إنسانًا جاء يستأجر البستان سنتين أو ثلاث، ووجد النخل مؤبرًا، عقد الإجارة من الآن، ويمضي العقد ثلاث سنوات، ثمرة هذه السنة التي أبرها المؤجر للمؤجر، إلا إذا اشترطها المستأجر.
صاحب البستان احتاج نقدًا فرهن البستان وقد أبر نخله، الثمرة الموجودة داخلة في الرهن مع الأصول أو خارجة عنه؟ خارجة؛ لأن صاحب النخل قد أبر، فلا تدخل الثمرة ضمن الرهن، وعلى هذا فالحديث مبين بأن من أبر نخلًا فإن الثمرة له، فلو باع النخل وقد أبرت فإن الثمرة ترجع للبائع ما لم يشترطه المبتاع -المشتري- فإذا اشترط ووافق على ذلك البائع، ف (المؤمنون عند شروطهم) .