قال المصنف:[وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته) رواه أحمد وصححه ابن خزيمة وابن حبان، وفي رواية: (كما يحب أن تؤتى عزائمه) .
] جاء المؤلف رحمه الله أولًا بما يشعر بالوجوب فذكر حديث عائشة (أول ما فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فأقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر) أي: بقيت صلاة السفر على الأصل، وهذا من أدلة الوجوب، وجاء بعد ذلك بهذا الحديث: (إن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه) وهذا الحديث قاعدة عامة.
ما هي الرخصة؟ يقولون في فقه اللغة: إذا نظرت إلى المادة (الراء، والخاء، والصاد) بمعنى الرُّخص والرَّخص، رخص الأسعار يدل على على الرخاء والهدوء، وشيء رخص أي: لين رطب، واستدلوا بقول الشاعر: (ومخضب رخص البنان كأنه) (رخص البنان) يعني: لين الأصابع، وهذا وصف الفتيات والنسوة، فالرخص هو اللين، وكذلك الرخصة؛ لأن ألفاظ الشارع تنقل ألفاظ اللغة إلى ما يناسبها من التشريع، كما نقلت كلمة الصلاة من الدعاء إلى الصلاة ذات الركوع والسجود، وكما نقل الصوم وهو الامتناع عن الكلام إلى الصيام في الإسلام، وهكذا الحج وهو القصد، والعمرة: الزيارة.
فقالوا: الرخصة: هي جلب الإرفاق أو دفع المشقة، أو إباحة ما جاءت الرخصة به مع بقاء الحكم الأصلي.
أو هو حكم لاحق فيه إرفاق بالمسلمين، أو بالمكلف مع بقاء الحكم الأصلي الذي جاءت به الرخصة.
مثال ذلك: قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ} [المائدة:3] ثم أباح الله تبارك وتعالى للإنسان في حالة المخمصة أن يتناول الميتة، فقال: {فَمَنْ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ} [المائدة:3] أي: عند الاضطرار يباح أكل الميتة.
هل حينما أبيحت الميتة للمضطر رفع عنها حكم التحريم السابق أم هو باق؟ بل هو باق؛ بدليل أنه حينما ترفع عنه المخمصة أو يجد غير الميتة لا يحل له أكلها.
إذًا: الحكم الأصلي باق، ولكن الرخصة جاءت مؤقتًا لإيقاف العمل بالنص في التحريم، والنص قائم والحكم موجود.
إذًا: إن قلنا بأن القصر رخصة يبقى الحكم الأساسي هو الإتمام؛ لأن القصر جاء تخفيفًا، مع بقاء حكم الأصل وهو الإتمام.
وكذا الفطر في رمضان، ينتهي صيام الواجب، فيقول: يا عبادي! يوم العيد أنتم في ضيافتي ومكرمتي، فمن صام يوم العيد كأنه معرض عن ضيافة الله، ولو أن شخصًا آخر دعاك إلى مكرمة وقلت: أنا في غنى عنها لا أريدها، لم يكن هذا من الأدب.
فهذا الحديث وإن كان يشعر بأن القصر رخصة لكن الله يحب أن يؤتى بها، ومن هنا قال مالك رحمه الله: القصر رخصة والأفضل العمل بها تمشيًا مع هذا النص المحكم: (يحب أن تؤتى رخصة) (صدقة تصدق بها عليكم) ، إذا كنت تعرف إنسانًا فقيرًا، وجئت بصدقة مالك إليه، وقال: أنا لا أريدها، وأنت تعرف أنه محتاج ويقبل من غيرك، فإذا كان يقبل من غيرك صدقة ماله ويرفض أن يأخذ صدقتك فإنك تستغرب وتفتش عن السبب، فإذا كان الأمر من المولى سبحانه وتصدق علينا، ورخص لنا، فالواجب علينا أن نقبل صدقة الله ورخصته، وهذا أحسن ما قيل في ذلك، ولهذا تجدون الشارح الإمام الصنعاني يقول في العدة تعليقًا على العمدة لـ ابن دقيق العيد: وقد كتبت رسالة في ذلك، وحققت أن الصحيح والراجح في المسألة أنها رخصة، والأفضل الأخذ بها، وهذا أحسن ما يقال في هذا الباب، والله تعالى أعلم.
قال المصنف وفي رواية::[ (كما يكره أن تؤتى معصيته) .
] معناه: أن الله يحب أن تؤتى الرخص بقدر ما يكره أن تؤتى المعصية، وإذا نظرنا إلى المقابلة: بقدر ما يكره المولى إتيان المعصية بقدر ما يؤخذ بالرخصة، وكأن الذي يرفض الأخذ بالرخصة يقدم على فعل المعصية، والعكس بالعكس، والقياس العكسي يؤدي إلى هذا.
إذًا: أحسن ما قيل في هذه المسألة هو ما ذهب إليه مالك رحمه الله، ونبه عليه الشارح الإمام الصنعاني هنا بأنه كتب رسالة في ذلك، وبين أن الراجح هو أنها رخصة، والأفضل الأخذ بها.
قال المصنف: [وفي رواية: (كما يحب أن تؤتى عزائمه) ] .
هذه الرواية مقابلة لتلك (كما يكره أن تؤتى معصيته) لأن كره المعصية يقابلها: حب العزيمة، فيحب الأخذ بالرخصة كما يحب الأخذ بالعزيمة، وكلاهما مطلوب.