وما أرتجي بالعيش في دار فرقة ...
ألاَ إنما الراحات يوم التغابن
وسمّى يوم القيامة يوم التغابُن ؛ لأنه غَبَن فيه أهل الجنة أهل النار.
أي أن أهل الجنة أخذوا الجنة ، وأخذ أهل النار النار على طريق المبادلة ؛ فوقع الغبن لأجل مبادلتهم الخير بالشر ، والجيّد بالرديء ، والنعيم بالعذاب.
يقال: غَبَنت فلاناً إذا بايعته أو شاريته فكان النقص عليه والغَلَبة لك.
وكذا أهل الجنة وأهل النار ؛ على ما يأتي بيانه.
ويقال: غَبَنت الثوب وخبنته إذا طال عن مقدارك فخطت منه شيئاً ؛ فهو نقصان أيضاً.
والْمَغَابِن: ما انثنى من الخِلقَ نحو الإبطين والفخذين.
قال المفسرون: فالمغبون من غبن أهله ومنازله في الجنة.
ويظهر يومئذ غبن كل كافر بترك الإيمان ، وغبن كل مؤمن بتقصيره في الإحسان وتضييعه الأيام.
قال الزجاج: ويغبن من ارتفعت منزلته في الجنة من كان دون منزلته.
الثانية: فإن قيل: فأيُّ معاملة وقعت بينهما حتى يقع الغَبْن فيها.
قيل له: هو تمثيل الغبن في الشراء والبيع ؛ كما قال تعالى: {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} [البقرة: 16] .
ولما ذكر أن الكفار اشتروا الضلالة بالهدى وما ربحوا في تجارتهم بل خسروا ، ذكر أيضاً أنهم غُبِنوا ؛ وذلك أن أهل الجنة اشتَروُا الآخرة بترك الدنيا ، واشترى أهل النار الدنيا بترك الآخرة.
وهذا نوع مبادلة اتساعاً ومجازاً.
وقد فرّق الله سبحانه وتعالى الخلق فريقين: فريقاً للجنة وفريقاً للنار.
ومنازل الكل موضوعة في الجنة والنار.
فقد يسبق الخِذلان على العبد كما بيناه في هذه السورة وغيرها فيكون من أهل النار ، فيحصل الموفق على منزل المخذول ومنزل الموفق في النار للمخذول ؛ فكأنه وقع التبادل فحصل التغابن.
والأمثال موضوعة للبيان في حكم اللغة والقرآن.
وذلك كله مجموع من نشر الآثار وقد جاءت مفرّقة في هذا الكتاب.