أي: ما تُسرونه فيما بينكم، وما تُظهرونه من الأمور، والتصريح به مع اندراجه فيما سبق قبله؛ لأنه الذي يدور عليه الجزاء، ففيه تأكيد للوعد والوعيد، وتشديد لهما. وقوله تعالى: {واللهُ عليم بذاتِ الصُدور} : تذييل لِما قبله، ومُقَرِّر له، من شمول علمه تعالى لسِرِّهم وعلنهم، أي: هو محيط بجميع المضمرات المستكنة في صدور الناس، بحيث لا يُفارقها أصلاً، فكيف يخفى عليه ما يُسرونه وما يُعلنونه، فحق أن يُتقى ويُحذر. وإظهار الجلالة للإشعار بعلية الحكم، وتأكيد استقلال الجملة.
قيل: وتقدّم تقرير القدرة على تقرير العلم؛ لأنّ دلالة المخلوقات على قدرته تعالى بالذات، وعلى علمه بما فيها من الإتقان والاختصاص ببعض الأوصاف.
(زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ ...(7)
فإن قلْتَ: ما معنى اليمين على شيء أنكروه؟
قلتُ: هو جائز؛ لأنّ التهديد به أعظم موقعاً في القلب، فكأنه قيل: ما تنكرونه والله إنه لواقع لا محالة، {ثم لتُنبَّؤنَّ بما عَمِلتم} أي: لتُحاسبن وتُجزون بأعمالكم.
(وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ(13)
وإظهار الجلالة في موضع الإضمار للإشعار بعليّة التوكُّل والأمر به، فإنّ الألوهية مقتضية للتبتُل إليه تعالى بالكلية، وقطع التوكُّل عما سواه بالمرة.
(إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ(15)
قال الحسن: أدخل (مِن) للتبعيض في الأزواج والأولاد؛ لأنَّ كلهم ليسوا بأعداء، ولم يذكر (مِن) في فتنة الأموال والأولاد؛ لأنها لا تخلو من فتنة واشتغال قلب بها.
وعن ابن مسعود: لا يقل أحدكم: اللهم اعصمني من الفتنة؛ إذ لا يخلو منها أحد، ولكن ليقل: اللهم إنني أعوذ بك من مضلاَّت الفتن.