وقال ابن جبير: قوله: {فاتقوا الله مَا استطعتم} فيما تطوع به من نافلة أو صدقة، فإنه لما نزل قوله تعالى: {اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران: 102] اشتدت على القوم فقاموا حتى ورمت عراقيبهم وتقرَّحت جباهُهُمْ، فأنزل الله تخفيفاً عنهم: {فاتقوا الله مَا استطعتم} فنسخت الأولى.
قال الماوردي: ويحتمل أن يثبت هذا النَّقْل، لأن المكره على المعصية غير مؤاخذ بها، لأنه لا يستطيع اتقاءها.
قوله: {واسمعوا وَأَطِيعُواْ} .
أي: اسمعوا ما توعظون به، وأطيعوا ما تؤمرون به، وتنهون عنه.
وقال مقاتل: «اسْمَعُوا» أي: أصغوا إلى ما ينزل عليكم من كتاب الله، وهو الأصل في السَّماع «وأطِيعُوا» الرسول فيما يأمركم أو ينهاكم.
وقيل: معنى «واسْمَعُوا» أي: اقبلوا ما تسمعون وعبر عنه بالسماع؛ لأنه فائدته.
قوله: {وَأَنْفِقُواْ} .
قال ابن عباس: هي الزكاة.
وقيل: هي النفقة في النفل.
وقال الضحاك: هي النفقة في الجهاد.
وقال الحسن: هي نفقة الرجل لنفسه.
وقال ابن العربي: وإنما أوقع قائل هذا، قوله: «لأنفُسِكُمْ» وخفي عليه قوله: إن نفقة الفرض والنَّفْل في الصَّدقة على نفسه، قال الله تعالى: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء: 7] . فكل ما يفعله الرجل من خير فإنما هو لنفسه، والصحيح أنها عامة.
{عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18) }
أي: ما غاب وحضر، «وهُوَ العَزيزُ» الغالب القاهر، فهو من صفات الأفعال، ومنه قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {تَنزِيلُ الكتاب مِنَ الله العزيز الحكيم} أي: من الله القاهر المُحْكم خالق الأشياء.
وقال الخطابي: وقد يكون بمعنى نفاسة القدر، يقال منه: «عَزَّ يَعِزُّ» - بكسر العين - فيكون معنى العَزِيز على هذا أنه لا يعادله شيء وأنه لا مثل له «الحَكِيمُ» في تدبير خلقه.
وقال ابن الأنباري: «الحَكِيمُ» هو المُحْكِم الخلق للأشياء، صرف عن «مفعل» إلى «فعيل» ومنه قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {الم تِلْكَ آيَاتُ الكتاب الحكيم} .
فصرف عن «مفعل» إلى «فعيل» والله أعلم. انتهى انتهى {اللباب في علوم الكتاب} ...