وقال ابن عباس: لما رجع عبد الله بن أبيّ من أحد بكثير من الناس، مقته المسلمون وعنفوه وأسمعوه ما يكره، فقال له بنو أبيه: لو أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى يستغفر لك ويرضى عنك؟ قال: لا أذهب إليه ولا أريد أن يستغفر لي، وجعل يلوي رأسه، فنزلت.
6 -ثم أيأسهم من جدوى الاستغفار لهم، فقال: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ} يا محمد كما إذا جاؤوك معتذرين من جناياتهم. وفي"كشف الأسرار": كان - صلى الله عليه وسلم - يستغفر لهم على معنى سؤاله لهم بتوفيق الإيمان ومغفرة العصيان. و {سَوَاءٌ} ، اسم بمعنى مستو، خبر مقدم، و {عَلَيْهِمْ} متعلق به، وما بعده من المعطوف عليه والمعطوف مبتدأ بتأويل المصدر لإخراج الاستفهام عن مقامه. فالهمزة في {أَسْتَغْفَرْتَ} للاستفهام، ولذا فتحت وقطعت، والأصل: {أاستغفرت} فحذفت همزة الوصل التي هي همزة الاستفعال للتخفيف ولعدم اللبس. {أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} كما إذا أصروا على قبائحهم واستكبروا عن الاعتذار والاستغفار؛ أي: استغفارك لهم وعدمه سيان لا ينفعهم ذلك، لإصرارهم على النفاق واستمرارهم على الكفر.
وقرأ الجمهور: {أَسْتَغْفَرْتَ} بهمزة التسوية التي أصلها همزة الاستفهام وطرح ألف الوصل. وقرأ أبو جعفر بمدة على الهمزة، قيل: هي عوض من همزة الوصل، وهي مثل المدة في قوله تعالى: {قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ} لكن هذه المدة في الاسم لئلا يلتبس الاستفهام بالخبر، ولا يحتاج إلى ذلك في الفعل؛ لأن همزة الوصل فيه مكسورة. وعن أبي جعفر أيضًا ضم ميم {عَلَيْهِمْ} إذ أصلها الضم ووصل الهمزة. وروى معاذ بن معاذ العنبري عن أبي عمرو كسر الميم على أصل التقاء الساكنين ووصل المرة، فتسقط في القراءتين، واللفظ خبر، والمعنى على الاستفهام، والمراد: التسوية. وجاز حذف الهمزة لدلالة {أَمْ} عليها، كما دلت على حذفها في قوله:
بَسَبْعٍ رَمَينَ الجَمْرَ أَمْ بِثَمَانِ
يريد أبسبع.