قال ابن كثير: والظاهر أن الآية عامة في كل من آذى الرسول صلّى الله عليه وسلّم بشيء، فإن من آذاه فقد آذى الله، ومن أطاعه فقد أطاع الله، ففي الحديث الشريف: «الله الله في أصحابى، لا تتخذوهم غرضا بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه» .
أي: إن الذين يؤذون الله - تعالى - ورسوله صلّى الله عليه وسلم، بارتكاب مالا يرضياه من كفر أو شرك أو فسوق أو عصيان ..
لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ أي: طرد الله - تعالى - هؤلاء الذين ارتكبوا الأذى من رحمته، وأبعدهم من رضاه في الدنيا والآخرة.
وَأَعَدَّ لَهُمْ - سبحانه - في الآخرة عَذاباً مُهِيناً أي: عذابا يهينهم ويجعلهم محل الاحتقار والازدراء من غيرهم.
وبعد هذا الوعيد الشديد لمن آذى الله ورسوله، جاء وعيد آخر لمن آذى المؤمنين والمؤمنات، فقال - تعالى -: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا، فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً.
أي: والذين يرتكبون في حق المؤمنين والمؤمنات ما يؤذيهم في أعراضهم أو في أنفسهم أو في غير ذلك مما يتعلق بهم، دون أن يكون المؤمنون أو المؤمنات قد فعلوا ما يوجب أذاهم ..
فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً أي: فقد ارتكبوا إثما شنيعا، وفعلا قبيحا، وذنبا ظاهرا بينا، بسبب إيذائهم للمؤمنين والمؤمنات.
وقال - سبحانه - هنا بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا ولم يقل ذلك في الآية السابقة عليها، لأن الناس بطبيعتهم يدفع بعضهم بعضا، ويعتدى بعضهم على بعض، ويؤذى بعضهم بعضا، أما
الله - تعالى - ورسوله صلّى الله عليه وسلّم فلا يتصور منهما ذلك.
وجمع - سبحانه - في ذمهم بين البهتان والإثم المبين، للدلالة على فظاعة ما ارتكبوه في حق المؤمنين والمؤمنات، إذ البهتان هو الكذب الصريح الذي لا تقبله العقول، بل يحيرها ويدهشها لشدته وبعده عن الحقيقة.
والإثم المبين: هو الذنب العظيم الظاهر البين، الذي لا يخفى قبحه على أحد.