فلماذا؟ قالوا: لأن الآية فيمَنْ تعوَّد السيئات ، وأحاطت به الخطايا حتى أصبحت عادة ، وسَهُلَتْ عليه حتى صارت عنده كالحلال ، يفعله بلا تكلُّف ، بل ويجاهر به ويتباهى ، هذا هو المجَاهر الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كل أمتي مُعَافَى إلا المجَاهرين"وفيه:"ستر الله عليه وأصبح يفضح نفسه".
وهذا الذي يُسَرُّ بالمعصية ويتباهى بها بلغ به الاحتراف أنه يستطيع أنْ يستر حركات انفعاله في الحرام ، كأنها الحلال بعينه ؛ لذلك جاء الفعل كسب هنا ، وكأن السيئة أصبحت مَلكةً .
أذكر بمناسبة التكلُّف والافتعال في الحرام رجلاً من بلدتنا اسمه الشيخ مصطفى ، ذهب إلى السوق لشراء بقرة ، وأخذ النقود في جيبه ، ومن حرصه وضع يده على جيبه خوفاً من اللصوص ، فلما رأوه في السوق يمسك جيبه بيده عرفوا أنه ضالتهم ، فكيف احتالوا ليسرقوه؟ لطخ أحدهم كتفه بروَث البهائم ، ثم احتكَّ بالشيخ مصطفى ، حتى اتسخت ملابسه فغضب ، وأخذ ينظف ملابسه من الروث ، ونسي مسألة النقود التي في جيبه فسرقوه .
وكما يأتي الحرام بافتعال ، كذلك يكون العقاب فيه أيضاً افتعال ومبالغة تناسب افتعال الفعل ؛ لذلك يقول سبحانه في عقاب الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا: {فَقَدِ احتملوا ...} [الأحزاب: 58] ولم يَقُلْ حملوا ، وفَرْق بين حمل واحتمل ، حمل تُقال لما في طاقتك حَمْله ، إنما احتمل يعني فوق الطاقة ، وإنْ حملْته تحمله بمشقة ، فالجزاء هنا من جنس العمل ، فكما تفاعلْتَ وتكلَّفْتَ في المعصية كذلك يكون الجزاء عليها .
{فَقَدِ احتملوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً} [الأحزاب: 58] البهتان: أن تقول في غيرك ما ليس فيه ، فالبهتان كذب ، أمَّا الإثم: فأنْ ترتكب ذنباً في حقه بأن تؤذيه بصفة هي فيه بالفعل ، لكنه يكره أنْ تصفِه بها ، كما تقول للأعمى مثلاً: يا أعمى .