وقوله:"كما صليت وباركت على إبراهيم وآله": تخصيص إبراهيم من بين غيره من الرسل يحتمل ما ذكره أهل التأويل: إنه ليس من أهل دين ومذهب إلا وهو يدعي ويزعم أنه على دينه ومذهبه، وأنه يتأسّى به؛ لذلك خضه بالصلاة عليه من بين غيره من الأنبياء وجائز أن يكون لا لهذا؛ ولكنه لمعنى كان فيه وفي ذريته، لا نعرفه نحن؛ فخصه بذلك من بين غيره، واللَّه أعلم.
وقوله:"وبارك على مُحَمَّد"البركة كأنها اسم كل خير يكون أبدًا على النماء والزيادة في كل وقت، وقد ذكرنا فيما تقدم ما قيل في صلاة اللَّه عليهم وصلاة الملائكة وصلاة المؤمنين.
وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا(57) اختلف فيه:
قَالَ بَعْضُهُمْ: نزلت الآية في اليهود؛ حين قالوا: (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) ، وهو (فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ) ، وفي النصارى؛ حين قالوا: (الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ) ، وإنه (ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ) ؛ وفي مشركي العرب،
حين قالوا: الملائكة بنات اللَّه، والأصنام آلهة، ونحو ذلك، وأذاهم رسول اللَّه حين شجُّوه وكسروا رباعيته، وقالوا: إنه مجنون، أو ساحر، وأمثال ذلك؛ فأنزل اللَّه: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ) ، يقول: عذبهم اللَّه (فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) :
فأما تعذيبه إياهم في الدنيا: قتلهم بالسيف يوم بدر - يعني: مشركي العرب - وأهل الكتاب: بالجزية إلى يوم القيامة.
وفي الآخرة: النار.
وقَالَ بَعْضُهُمْ قريبًا من ذلك: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) هم أصحاب التصاوير والتماثيل؛ فلهم ما ذكر.
وقوله: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا(58)
أي: يقعون فيهم.