وقال أَصْبَغُ: «وَأَيُّ الْمَوَاضِعِ حُبِسَ فِيهَا مِنَ السُّجُونِ مَعَ النَّاسِ أَوْ وَحْدَهُ إِذَا اسْتُوثِقَ مِنْهُ سَوَاءٌ، وَيُوقَفُ مَالُهُ إِذَا خِيفَ أَنْ يُتْلِفَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَيُطْعَمُ مِنْهُ وَيُسْقَى. وَكَذَلِكَ يُسْتَتَابُ أبدا كلما رجع وارتد» .
وَقَدِ اسْتَتَابَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبْهَانَ الَّذِي ارْتَدَّ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ أَوْ خمسا.
قال ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ يُسْتَتَابُ أَبَدًا كُلَّمَا رَجَعَ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَقَالَهُ ابْنُ القاسم، وقال إسحاق:
«يُقْتَلُ فِي الرَّابِعَةِ» .
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: «إِنْ لَمْ يَتُبْ فِي الرَّابِعَةِ قُتِلَ دُونَ اسْتِتَابَةٍ وَإِنْ تَابَ ضُرِبَ ضَرْبًا وَجِيعًا، وَلَمْ يَخْرُجْ مِنَ السِّجْنِ حَتَّى يَظْهَرَ عَلَيْهِ خُشُوعُ التَّوْبَةِ» .
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: «وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَوْجَبَ عَلَى الْمُرْتَدِّ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى أَدَبًا إِذَا رَجَعَ» .
وَهُوَ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَالْكُوفِيِّ.
هَذَا حُكْمُ مَنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِمَا يَجِبُ ثُبُوتُهُ مِنْ إِقْرَارٍ أَوْ عُدُولٍ لَمْ يدفع فيهم.
(فَصْلٌ: فِي حكم المرتد إذا اشتبه ارتداده)
قال القاضي أبو الفضل: هَذَا حُكْمُ مَنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِمَا يَجِبُ ثُبُوتُهُ مِنْ إِقْرَارٍ أَوْ عُدُولٍ لَمْ يُدْفَعْ فِيهِمْ فَأَمَّا مَنْ لَمْ تَتِمَّ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ بِمَا شَهِدَ عَلَيْهِ الْوَاحِدُ أَوِ اللَّفِيفُ مِنَ النَّاسِ، أَوْ ثَبَتَ قَوْلُهُ لَكِنِ احْتُمِلَ وَلَمْ يَكُنْ صَرِيحًا وَكَذَلِكَ إِنْ تَابَ .. - عَلَى الْقَوْلِ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ -
فَهَذَا يُدْرَأُ عَنْهُ الْقَتْلُ، وَيَتَسَلَّطُ عَلَيْهِ اجْتِهَادُ الْإِمَامِ بِقَدْرِ شُهْرَةِ حَالِهِ، وَقُوَّةِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ وَضَعْفِهَا، وَكَثْرَةِ السَّمَاعِ عَنْهُ، وصورة حاله من التهمة في الدين، والنّبز بِالسَّفَهِ وَالْمُجُونِ.
فَمَنْ قَوِيَ أَمْرُهُ أَذَاقَهُ مِنْ شديد النكال من التضييق في السجن