قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْقَصَّارِ: «الْمَشْهُورُ عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ فِي الْجُمْلَةِ على الإنسان وفرض عليه عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا مَرَّةً مِنْ دَهْرِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ» .
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ بُكَيْرٍ: «افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَى خَلْقِهِ أَنْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا وَلَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ لِوَقْتٍ مَعْلُومٍ ..
فَالْوَاجِبُ أَنْ يُكْثِرَ الْمَرْءُ مِنْهَا، وَلَا يَغْفُلَ عَنْهَا».
قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ نَصْرٍ: «الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاجِبَةٌ فِي الْجُمْلَةِ» .
قال القاضي أبو عبد الله محمد بن سعيد: «ذهب مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فرض بالجملة بقصد الْإِيمَانِ، لَا يَتَعَيَّنُ فِي الصَّلَاةِ. وَأَنَّ مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً مِنْ عُمُرِهِ سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْهُ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: «الْفَرْضُ مِنْهَا الذي أمر الله تعالى وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ فِي الصَّلَاةِ» .
وَقَالُوا: «وَأَمَّا فِي غَيْرِهَا، فَلَا خِلَافَ أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ» .
وَأَمَّا فِي الصَّلَاةِ فَحَكَى الْإِمَامَانِ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ وَالطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُمَا إِجْمَاعَ جَمِيعِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّشَهُّدِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، وَشَذَّ الشَّافِعِيُّ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: «مَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَعْدِ التَّشَهُّدِ الْآخِرِ قَبْلَ السَّلَامِ فَصَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ، وَإِنْ صَلَّى عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ تُجْزِهِ» .
وَلَا سَلَفَ لَهُ فِي هَذَا الْقَوْلِ، وَلَا سُنَّةَ يَتَّبِعُهَا، وَقَدْ بَالَغَ فِي إِنْكَارِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عليه .. لمخالفته فيها من تقدمته جماعة، وشنّعوا
عَلَيْهِ الْخِلَافَ فِيهَا. مِنْهُمُ الطَّبَرِيُّ وَالْقُشَيْرِيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ.