وقيل: مجالسة الثقيل حمى الروح، وقيل لأنوشروان: ما بال الرجل يحمل الحمل الثقيل، ولا يحمل مجالسة الثقيل؟ قال: يحمل الحمل بجميع الأعضاء، والثقيل تنفرد به الروح. قيل: من حق العاقل الداخل على الكرام قلة الكلام، وسرعة القيام.
ومن علامة الأحمق الجلوس فوق القدر، والمجيء في غير الوقت، وقد قالوا: إذا أتى باب أخيه المسلم .. يستأذن ثلاثًا، ويقول في كل مرة: السلام عليكم يا أهل البيت، ثم يقول: أيدخل فلان، ويمكث بعد كل مرة مقدار ما يفرغ الآكل من أكله، ومقدار ما يفرغ المتوضؤ من وضوئه، والمصلي بأربع ركعات من صلاته، فإن أذن .. دخل، وخفف، وإلا رجع سالمًا عن الحقد والعداوة، ولا يجب الاستئذان على من أرسل إليه صاحب البيت رسولًا، فيأتي بدعوته قال الحامي:
أَدِّبُوْا النَّفْسَ أَيُّهَا الأَحْبَابُ ... طُرُقَ الْعِشْقِ فَإِنَّ لَهَا آدَابُ
وقرأ الجمور: {فَيَسْتَحْيِي} بيائين مع سكون الحاء، مضارع استحيا من باب استفعل، وقرأت فرقة: {فيستحي} بياء واحدة مع كسر الحاء مضارع استحا، وهي لغة تميم، وروي عن ابن كثير، واختلفوا في المحذوف منه، أعين الكلمة أم لامها؟ فإن كان العين .. فوزنها: يستفل، وإن كان اللام .. فوزنها: يستفع، والترجيح مذكور في كتب النحو.
والمعنى: أي إن ذلك اللبث والاستئناس والدخول على هذا الوجه كان يؤدي النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأنه كان يمنعه من قضاء بعض حوائجه إلى ما فيه من تضييق المنزل على أهله، لكنه كان يستحيي من إخراجكم، ومنعكم مما يؤذيه، والله لم يترك الحق، وأمركم بالخروج، وفي هذا إيماء إلى أن اللبث يحرم على المدعو إلى طعام بعد أن يطعم، إذا كان في ذلك أذى لرب البيت، ولو كان البيت غير بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فالتثقيل مذموم في كل مكان، محتقر صاحبه لدى كل إنسان، وعلى الجملة فللدعوة إلى المآدب نظم وآداب خاصة، أفردت بالتأليف، ولا سيما في العصر الحديث، وجعلوا التحلل منها، وترك اتباعها مما لا تسامح فيه.