روى أحمد عن عبد الله بن يزيد عن عائشة قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقسم بين نسائه فيعدل، ثم يقول:"اللهم هذا فعلي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك"يعني: القلب، وزيادة الحب لبعض دون بعض. وفي هذا حث على تحسين ما في القلوب، ووعيد لمن لم يرضَ منهن بما دبر الله له من ذلك، وفوضه إلى مشيئته، وبعث على تواطئ قلوبهن، والتصافي بينهن، والتوافق على رضا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
{وَكَانَ اللَّهُ} سبحانه وتعالى {عَلِيمًا} بالسرائر كالظواهر، فيعلم ما تبدونه وما تخفونه {حَلِيمًا} على ذنب من أذنب، فلا يعاجل أهل الذنوب بالعقوبة، ليتوب منهم من شاء له أن يتوب، وينيب من ذنوبه من ينيب، فلا تغتروا بتأخيرها، فإنه إمهال لا إهمال.
52 - {لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ} قرأ الجمهور: {لَا يَحِلُّ} بالياء التحتية للفصل بين الفعل وفاعله المؤنث؛ ولأن تأنيث الجمع غير حقيقي، وإذا جاز التذكير بغير فصل في قوله: {وَقَالَ نِسْوَةٌ} كان معه أجوز. وقرأ ابن كثير بالفوقية نظرًا إلى كون الفاعل جمعًا؛ أي: لا تحل لك واحدة من النساء، مسلمةً كانت أو كتابية، لما تقرر عندهم أن حرف التعريف إذا دخل على الجمع .. يبطل الجمعية، ويراد الجنس، وهو كالنكرة يخص في الإثبات، ويعم في النفي، كما إذا حلف لا يتزوج النساء، ولا يكلم الناس، أو لا يشتري العبيد، فإنه يحنث بالواحد؛ لأن اسم الجنس حقيقة فيه.
أي: لا تحل لك يا محمد واحدة من النساء {مِنْ بَعْدُ} ؛ أي: من بعد هؤلاء التسع اللاتي خيرتهن بين الدنيا والآخرة فاخترنك؛ لأنه نصابك من الأزواج، كما أن الأربع نصاب أمتك منهن، أو لا يحل لك النساء بعد اليوم حتى لو ماتت واحدة منهن .. لم يحل له نكاح أخرى. {وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ} بحذف إحدى التاءين، والأصل: تتبدل. {بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ} مفعول {تَبَدَّلَ} ، و {مِنْ} مزيدة لتأكيد النفي تفيد استغراق جنس الأزواج بالتحريم؛ أي: ولا يحل لك أن تتبدل بهؤلاء التسع أزواجًا أخر بكلهن أو بعضهن، بأن تطلق واحدةً وتنكح مكانها أخرى.