قوله:"إنْ وَهَبَتْ ... إنْ أرادَ"هذا من اعتراضِ الشرط على الشرطِ ، والثاني هو قيدٌ في الأولِ ، ولذلك نُعْرِبه حالاً ، لأنَّ الحالَ قيدٌ . ولهذا اشترط الفقهاءُ أن يتقدَّمَ الثاني على الأولِ في الوجود . فلو قال:"إنْ أكلْتِ إنْ ركبْتِ فأنتِ طالقٌ"فلا بُدَّ أنْ يتقدَّم الركوبُ على الأكلِ . وهذا لِتَتَحَقَّقَ الحاليةُ والتقييدُ كما ذكرْتُ لك ؛ إذ لو لم يتقدَّمْ لخلا جزءٌ من الأكل غيرُ مقيدٍ بركوبٍ ، فلهذا اشترطُوا تقدُّمَ الثاني . وقد مضى تحقيقُ هذا ، وأنَّه بشرطِ أَنْ لا تكونَ ثَمَّ قرينةٌ تمنعُ من تقدُّمِ الثاني على الأولِ . كقولك:"إنْ تَزَوَّجْتُكِ إنْ طَلَّقْتُكِ فعَبْدي حُرٌّ"لا يُتَصَوَّرُ هنا تقديمُ الطلاق على التزويج .
إلاَّ أني قد عَرَضَ لي إشكالٌ على ما قاله الفقهاء بهذه الآية: وذلك أن الشرطَ الثاني هنا لا يمكُنُ تقدُّمُه في الوجودِ بالنسبةِ إلى الحكمِ الخاص بالنبي صلَّى الله عليه وسلَّم ، لا أنه لا يمكن عقلاً . وذلك أن المفسِّرين فَسَّروا قولَه تعالى:"إنْ أرادَ"بمعنى قبِلَ الهِبَةَ ؛ لأنَّ بالقبول منه عليه السلام يَتِمُّ نكاحُه وهذا لا يُتَصَوَّرُ تقدُّمه على الهِبة ؛ إذ القبولُ متأخرٌ . وأيضاً فإنَّ القصةَ كانَتْ على ما ذَكَرْتُه مِنْ تأخُّر إرادتِه عن هِبَتِها ، وهو مذكورٌ في التفسيرِ . والشيخ لَمَّا جاء إلى ههنا جعلَ الشرطَ الثاني متقدِماً على الأول على القاعدة العامةِ ولم يَسْتَشْكِلْ شيئاً مِمَّا ذكرته . وقد عَرَضْتُ هذا الإِشكالَ على جماعةٍ من أعيان زمانِنا فاعترفوا به ، ولم يَظْهر عنه جوابٌ ، إلاَّ ما/ قَدَّمْتُه مِنْ أنه ثَمَّ قرينةٌ مانعةٌ من ذلك كما مثَّلْتُ لك آنفاً .